على قارعة الطريق

الرابط : القصة ::
بقلم : فــــرح علِـــــي ::
دفاتري القديمه بكل ما علق بها من حبر …اوراقي البيضاء المستطيله الملطخه ببقع القهوه… فنجان قهوتي الكئيب …موسيقى وعلبه سجائر مهمله. هكذا انا وهكذا هو عالمي . انه يشبهني واشبهه لحظه ما اقرر ان اختار كلمه ما, او حرف ما.
لا كلمه في اللغه العربيه تصل لمقام شهيد ..لا حرف في قاموسها يعادل دمعه واحده من دم شهيد, سقط فجرا, لذا فحينما يحاول المرء جاهداً أنْ يصوغ ما يعتمر روحه من مشاعر مؤلمة, موجعة ,وما يجتاح الرّوح من زفرات حارة ,فأن كلماته تنساب بدم من شريانه . إنها تحمل في طياتها الألم والغربة و الانكسار , لا بل وترسم جداول من عذاب وحنين. عندها تبوح النفس بمكنونها الغامض .
فعذرا إن بزغت بين السطور الجراح, أو شقّ الدّمع الوجنات, راسما نهرا من عذاب و آلام ,ليحرق ارواحنا المدمره , او لربما ليلقي بها الدّهر في دروب تائهة كي يقذف بها القدر إلى شاطئ لا مرسى فيه !!….
عندما رأيته خفق قلبي بعنف,وانبعثت الحياة في روحي دفعة واحدة,كأني طفلة تولد الآن.
انه هو! روحه التي تشع حولي توقظ روحي وصوت خطواته الواثقة تطرق الرصيف في وقار .
يا الهي ! لقد عاد ..عاد الى المدينة التي هجرها .عاد الى من آمن به واحبوه . عاد كما يعود الصبح بعد ليل مظلم. عاد كما تشرق الشمس بعد خريف طويل. وقت إذانبثق الامل في اعماقي كسجين خرج لتوه من سجنه, وهو يعد نفسه ببقية سعيدة لهذا العمر البائس..
تحركت في قلبي اشواق ظمأى وحنين دائم جعل اجنحة فرحي ترفرف لربما تحملني الى السماء.
انطلقت خلفه بخطوات لهفى, وقد ارسلت النداء تلو النداء..احمد توقف يا احمد
لم ينتبه ..كأن صوتي المبحوح لم يبلغ اذنيه ..مضى بخطواته الواثقة وجلاله المعهود ..وتابع طريقه.
غير عابئ بي !.
كررت نداءاتي رغم العيون المتسائلة حولي ,مستنكرة نداءاتي . كنت أسابق خطواتي كي الحق به.
ناديته بحرقة ..لكن ندائي اخفق مرة اخرى ..لا اصدق انه لايسمعني. كيف لا ! وخطواته تطرق سمعي, كصوت المطر عندما يدق ابواب الارض.
تمهلت قليلا ..هل يتجاهلني, ام انه واراني خلف جدران النسيان !!لعله احب اخرى !علها سرقت قلبه فالغت كل احساس بغيره !!
وهل ينساني ! وكيف ينسى نبضا به يحيا !
لطالما سألت نفسي …كيف ينساني من احببته واحبني..كان بالنسبة لي
أول تباشير الصباح ..اغسل به وجهي كالفرح..امد جذوري في ارضه…ويمد في عروقي نبضه..البسه ويلبس روحي …من يحب لاينسى ابدا!!!
ذعرت وقلقت والهبت خطواتي بسياط الرعب فاندفعت خلفه كأم اضاعت صغيرها اصطدم بهذا واعتذر لتلك ..احمد …ارجوك توقف يا احمد !
تجاهلني او انه لم يسمعني لعله ذاهل او ساهم عما حوله لربما يبحث في ذكرياته القديمة عن قصص حب عاشها في هذه المدينة
لربما سيعاود الافصاح عن مدى شغفه بي ,ليقدم لي حبا نقيا متوهجا طاهرا !
حثثت الخطى حتى ادركته .ناديته بنبرة تقطر شوقا ولهفة.
والتفت الي بعدما رمقني بنظرات مليئه بالتساؤلات والاستنكار !.
شعرت فجأة اني اهوي من شاهق الى هوة دون قرار. انقبض قلبي, فسحق بين جدرانه كل الامال, واستحالت فرحتي الى دموع كئيبة تزدحم في عيني.
حاولت ان اعتذر له, وكي اوضح السبب. لكن لساني المثقل بالخيبة خانني, لكأنه من هول المفاجأة اصيب بالشلل!
ادرك الشاب ان في الامر خطأ غير مقصود, فمضى في طريقه , ونظراته تقطر اشفاقا على حالي تاركا اياي غارقة بالحزن والالم.
ووقفت جامدة بلا حراك .ارمق الفراغ بعينين ذاهلتين
انه ليس هو …ليس احمد
استدار الشاب الذي كنت اسعى خلفه رافعا حاجبيه دهشة وحيرة ..لكنه ماان رأى حالتي حتى تحولت نظراته من الانكار الى الرثاء
وهو يرى لهفتي تتحول الى كآبة عميقة …همس في اشفاق
سيدتي …هل من خطب ؟هل تشكين من شيئ؟
والمارة يتعجبون من حالتي ويتنحون عني كجسم مهمل على قارعة الطريق
منهم من يشفق على حالي ومنهم غير مكترث لي !
وافقت من ذهولي على صوت طفل يسألني بالحاح ان احسن اليه بشيء.ودسست يدي في جيبي فاخرجت قطعة نقدية ووضعتها بيده.فالتقطها فرحا وانطلق يعدو.!
اشعر الآن اني تائهة .مشردة دون مأوى, ضائعة دون طريق دون جذور. قصاصات عمري تنهار امامي, وهمت على وجهي في طرق مدينتي, اعزف الانين على اوتار حزني والمي .!لا الحروف تكفي كي تحررني, ولابيوت الشعر ترشدني اليه….
وفردت خواطري اشرعة الذكرى .فابحرت في خضم السنين .لترسو على شاطئ بعيد !! وانا لم امت ولم اولد ..مازلت في اهبة الموت والولادة..
كم خفت وكم بكيت ..حين قال لي ياعمري..انثري عطري عليكي..اخرجي معهم ..لاتدمعي ابدا..ودعيني عند قبري..بل زغردي …انا شهيد !!!
ترى هل يذكر التاريخ شهيدا مات من اجل الوطن؟!!هل يذكر التاريخ حبيبا اشتقت لعينيه حد الالم!!
انا كلما اشتقت اليه..انظر الى قلبي ..الثم ثغر الفجر..
و كلما أردت أن أشم رائحته..ساقتني قدماي إلى الحدائق أشتاقه وهوبين الضلوع
و تحت الجفون و في كل الأماكن….ارتعش قلبي فزعا ..ربما لانني يوما بعد اخر اصدق بانه كان اخر ما كان يمكن ان يهديني اياه القدر, وانه اخر العشق ..اخر الحلم ..اخر الامل ..اخر الحياة ..اخر الاخر …وان بابه الذي اوصد في وجهي لن يفتح بعد الان, وان يدي الممدودة .لن تقبض الا على الخواء .كم موجع ان ندرك النهايات ..ونحن بكامل وعينا ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة