قراءة في مجموعة ( في غياب الحب ) ل مختار الكمالي

الرابط: اصدارات ونقد ::
بقلم : عبادة محمّد عثمان ::
يعد الشاعر السوري مختار سيِّد صالح المُلَقَّب بـ (مختار الكمالي) أحد الأصوات الشعريَّة التي تنتمي للجيل السّوري الشاب الذي بدأ مشواره الأدبي في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين و التي تحاول التأسيس لرؤى و أشكال شعرية وفنية بعيدة عن الأطر والأفكار السابقة بحكم  التغيرات الجذرية التي يمر بها العالم العربي.
يرتكز الكمالي بشكل عام في بناء نصه الشعري على الفكرة الجليَّة والسبك اللغوي المتين والصورة الحيَّة النابعة من الواقع , ويعتمد في كثير من الأحيان على ذاكرته الحافلة بسيَر التراث القرآني والأسطوري , وذلك يظهر لنا في جلِّ أعماله الأدبية لا سيما مجموعتة الأولى (في غيابة الحبّ) الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الخامسة عشرة حيث يعمد منذ العنوان إلى التناص مع القرآن الكريم (سورة يوسف) في جناس يرى هو أنّه يخدم موضوعه.
المجموعة تحتوي ثمانية عشر عنواناً بما فيها النصّ الذي اعتمده كنصٍّ مركزي (في غيابة الحب) مقسَّم إلى ثلاثة أجزاء.
النصوص في عمومها تتكلم عن تجربة الشاعر العاطفية التي تختصرها قصيدة (في غيابة الحب) التي أعتبرها بمثابة سيرة شعرية لتجربة إنسانية و عاطفية صادقة عاشها الشاعر (والجدير بالذكر في هذا الصدد أن البنية الوزنية التي انتهجها الشاعر في هذه القصيدة درج كثير من الشعراء على الكتابة وفقها وهي مجزوء الوافر متنوع القوافي – وفق ثلاثيات- و التي كانت عند مختار على 53 مقطوعة ثلاثية) , يقول الكمالي في إحدى المقطوعات:
معاً نحن ابتكار العندليب للحنهِ الرائعْ
ونحن حنين أرغفة الدعاء إلى فمِ الجائعْ
بنا تتوهَّجُ الخطوات حتى يركضَ الشَّارعْ
وفي مقطعٍ آخر :
أخطِّطُ وجهكِ الوضَّاء .. طفل الماء بالطبشورْ
على ألواحِ أيَّامي التي حتى أراكِ تدورْ
وإذ يمحى على عجلٍ يفور بقلبيَ التنُّورْ
و في مقطع آخر :
لأنّكِ حيثما تمشينَ تمشي خلفكِ الأشجارْ
أحدِّقُ فيكِ مشرقةً و من نظري عليكِ أغارْ
لماذا لم يجدني العيدُ حتّى قلتِ : يا مختارْ ؟
..
من ناحية أخرى نجد أن هاجس الشَّيب يسكنه مبكراً جرَّاء ما قاساه و يقاسيه من مكابدة الشعور والمعنى , ومما يواجهه أمام مارد الشعر , يقول في قصيدته (وارث النايات) التي يفتتح بها مجموعته:
ولي شبر أفراحٍ توعَّدني فتىً
فيا شيب أعوامي ألم يَطٌلِ الوعدُ ؟
لئن كنتُ أعدو خلفَ فجريَ فإنّني
تتبَّعته دهراً وها هو ذا يعدو !
و يقول في قصيدة أخرى (اعترافات لاجئ في الريح) :
شرُّ البليَّة يا قلبي وأفجعُها
أنْ تتركَ الجُبَّ عبداً دونما ثمن ِ
وأن تكون على العشرين مكتهلا
ترمى بعين رفاق العمر باليفن ِ
ونلاحظ تكراراً لهذه الفكرة في كثير من قصائد الديوان ما يدلّ على عمق الأثر النفسي الذي تركته التجربة الوجدانية في الشاعر.
يحاول مختار (كما ورد في المقدمة) أن يرتكز على التراث القرآني والأسطوري وهذا ما يبدو جلياً في جل قصائد المجموعة , وفيما وراء هذا الإرتكاز ينقل الشاعر لنا تجربته الشخصية  بصيغة فنية راقية إلا أنها تأتي في ضوء ما يشترك به مع القارئ من النصوص التاريخية ما قد يتسبب بظلم للخصوصية والفرادة و , ومن جانب آخر فإن الإكثار من الإتكاء على التراث والإفراط في استخدام التناص يتحول إلى عيب إبداعي خصوصاً إن غابت العضوية فيه مما يجعله يبدو مقحماً .
من الرموز التاريخية التي استخدمها على سبيل المثال :
نار ابراهيم , وادي النمل , اقتباسات من سورة يوسف , أسطورة نرسيس , انفلاق البحر , الغار والهجرة .. إلخ
جاء في قصيدة (وارث النايات) :
ووادٍ من الذكرى مررت به على
ممالك نملٍ لا يحطِّمها الجندُ
وفي قصيدة (المدنف) يقول :
وإذ كان وجدي ثانيَ اثنينِ إذْ هما
وحيدين في غارٍ برؤياهُ علَّلكْ
طريدين ممّن أخرجوكَ مِنَ الرُّؤى
وأعطوكَ بركاناً إلى الشَّيبِ أدخلكْ
و في قصيدة (لوعة الأشجار) يقول:
حتّامَ شكُّكَ في غيمي و في مطري
أَقُدَّ من قُبُلٍ أم قُدَّ من دُبُر ِ ؟

يلاحظ في المجموعة أن الشاعر تعمَّد التنويع في استخدام البحور الشعرية و القوافي بما فيها البحور الصعبة المركبّة نادرة الاستخدام عند سواد شعراء هذا الجيل , كالبحر المنسرح في قصيدتي (القطار) و (اعتذارات متأخرة) , و القوافي الصوتيَّة كقافيته في قوله:
و ما أهديكَ منحرها أم الأذنين يا لؤلؤْ
بلى أقراطُ غاليتي ضياء العين و البؤبؤْ
يذوبُ الهاتف الخلويُّ حينَ تقولُ لي  : تُؤْ تُؤْ
و في  تبرير “تؤتؤ” الغريبة هذه بهامش يقول أنه لم يجد رسماً أفضل للصوت الذي يعنيه
وفيما يخص نصوص التفعيلة فقد جاءت في المجموعة بشكل ومضات شعرية خاطفة باستثناء قصيدة (القصيدة الرماد) التي اعتمدت على معارضة نص السياب الشهير (انشودة المطر) , يقول في مطلعها :
عيناك نجمتان تلهوان بالمدى
وبطتان تلعبان بالمياه في جداول الهدى
فتطفوان دمعتين فوق شمعةٍ من اشتهاء
في كفِّ عابر الجبال والبحاروالفضاء
كأنها الرَّدى

و تعبرانِ مثلما عبرتِ دونما انتباهْ
فتغرقُ المياهُ بالمياهِ بالمياهْ
و يهربُ المطر !
….
يلاحظ في المجموعة أيضاً -من حيث التراكيب- الجزالة و الفخامة المفرطة عموماً و التي تندرج كما أرى تحت وصف اللغة التراثية و هذا لأنها لا تخدم شاعراً يكتب عن موضوع رقيق كالحب و في القرن الحادي و العشرين فهو يقول على سبيل المثال:
لاحتْ وجوهُ الأمواتِ في أفقي … تنحر فجري فضرّجت شفقي
فعاد ليلي من فرط ريبته .. أهوج حرّانَ جاحظَ الحدقِ
يحمل للثأر تحت بردتهِ … هلاله خنجراً من الحنقِ
….
شخصيّاً لم يرق لي في الديوان حصريّته على تجربة واحدة ممّا جعله أشبه بقصيدة واحدة متعددة الأوزان و القوافي !
أمّا عن تقنية التصوير في المجموعة فأرى أنها بالمجمل بسيطة يشحّ فيها الاجتهاد التخيلي بمعنى أن الصور المستخدمة جميعها صور حيّة و جاهزة تم توظيفها حسب الحاجة فقط !!
و لعلّي في نهاية هذه القراءة السريعة أكتفي بما ذكره الشاعر نفسه في مقدمة ديوانه التي نشرها بعد صدوره بأشهر عندما قال متحدثاً عن نفسه بضمير الغائب : (على كل حال , و بما أنَّ التجربَّة الإنسانية و الشِّعريَّة في (في غيابة الحب) و في شعره عموماً ما تزال فتيَّة و مجهولة المعالم لكنّها تحاول أن تقول شيئاً , إذنْ فلندعها تأخذ فرصتها و تطرق أبواب “المتلقي” و “النَّاقد” فهما وحدهما الحكم الأول و الأخير عليها و المُشرِّع الذي يهبها الحياة إن نجحت في ملامسة ما يتحرّيانه , و لعلَّ التحدي الأكبر الذي تواجهه القصيدة حالياً –و أعني قصيدته هنا-  يتعلَّق بمدى نجاحها في إقناع “الآخر” أن يفتح نافذته له)
عبادة محمّد عثمان
دمشق 10-12-2012م.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة