الراهب (7)

 

الرابط : القصة : :
رواية الكاتب :إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك ::
كم كان تعليق كريستا مازحاً طريفاً عندما شبهت سوسو بشيطان ذاهب لفعل الخير حين شاهدتها بملابسها المحتشمة ، والمنديل الذي تحجب به شعرها والذي راعت في وضعه أن يظهر اكثر مما يخفى من خصلاته الذهبية الناعمة ، متخذة  لها مكانا في الصفوف الأمامية في الكنيسة لتكون قريبة منه ، وعندما انتهت الصلاة تقدمت مع المتقدمين لنوال شيء من البركة كما جرت العادة وعندما جاء دورها تقدمت نحوه ولم تنس أن تضع داخل عينيها نظرة منكسرة محاولة تقبيل يده التي سحبها بعيدا . سارت على نفس المنوال لأربعة أسابيع متتالية لم تفز منه خلالها سوى ببسمة شبه دائمة مرسومة فوق شفتيه  يمنحها للجميع على حد سواء ، وبالرغم من شعورها بالضيق إلا أنها رأت أن تسلك طريق الصبر ليكون طريق النجاح للوصول إليه مأموناً ، رأت أنه من الأفضل إجراء تعديلاً طفيفاً في الخطة ، ولا تركن إلى الصبر فقط ، توجهت إلى الكنيسة في الأسبوع التالي وهي ترتدي فستاناً يكسو جسدها ويخفي عريه ، لكن ضيقه يبرز ما لا تخطئه العين من أنوثة تكاد تمزقه لتنطلق من أسرها ، لم تفلت من يدها الفرصة الذهبية التي حانت لها عندما امتدت يده بلقيمة البركة ، فسارعت بتقبيل يده تاركة بصمة شفتيها بلون احمر على ظهر يده . مضت في طريقها دون أن تحاول النظرإلى الخلف خشية أن تنال منه لوماً على فعلتها  ، متأكدة بأنه سيشيعها بنظرات لا تخلو من الدهشة ، ليري من التي تركت بصمة شفتيها فوق ظهر يده ، لاحظ أحد الواقفين ضيقه وارتباكه فسارع وقدم له منديلاً ورقياً ليزيل به الطلاء الأحمر ، ولم يجد الأب سمعان بدا من وضع المنديل الورقي بما يحمله من لون احمر ورائحة كرائحة حبات الكرز الناضجة في جيبه لعدم وجود سلة مهملات قريبة منه ونسي أمره تماما ، لكنه التقى به مرة أخري عندما آوى إلى غرفته ليلا بعد عمل متواصل ومجهد طوال اليوم ليخلد لبعض الراحة ، اعتاد أن يفرغ ما بجيبه علي المنضدة القريبة من فراشه ، علق المنديل الورقي بيده بما يحمله من لون أحمر ورائحة نفذت إلى انفه ، بتلقائية تامة قرب المنديل من انفه واندهش أن تكون حتى لطلاء الشفاه رائحة ، وبدون أن يدري تراءت له صورة الشفاه المضمومة التي انتقلت من فم صاحبتها إلي ظهر يده مع ما تلاها من صورة الخلف المحشور في ضيقه . سرعان ما نفض رأسه بشدة كما لو كان يلقي بهذه الخيالات التي اقتحمت تفكيره عنوة ، سارع إلى سلة المهملات فألقى بالمنديل وما يحمله من خطيئة ، وعندما استيقظ في الصباح تسللت إلي أنفه رائحة الكرز الناضج .

********
عندما اقتربت منه في الأسبوع التالي تذكرها ، ألقى بنظرة سريعة علي وجهها الذي يعبر بكل دقة عن مفهوم الجمال ليأخذ حذره من طلاء شفتيها ، لم يشاهد فوق شفتيها سوى حمرة طبيعية خالية من كل طلاء ، قفزت من عينيها نظرة مستطلعة إلى وجهه فلم ترى سوي ابتسامته الوديعة ، ونظرة عتاب في عينيه سُرت بها لأنه علي الأقل اصبح الآن يشعر بوجودها ، أمسكت بطرف الحظ فدبر لها لقاءً ياً معه في نفس اليوم بعد أن انتهزت الفرصة للاشتراك في أحد الأنشطة التي تستدعي وجود المشتركين مساء كل يوم أحد ، لمحته يقف مازحا مع بعض الشباب ، لم تتردد للحظة واحدة في الانتقال إليهم يدفعها إحساس لا يقاوم وفي نيتها اتخاذ خطوة فعاله ، ولمرة ثانية لم يبخل عليها الحظ ووجدت الطريق ممهدا بمداعبته التي شعرت بأنها وفرت عليها الكثير. فما أن رآها حتى بادرها ضاحكا بقوله :
ـ مرحبا بصاحبة الطلاء ، أحست بالدماء تتصاعد حارة إلى وجهها أضافت له ما فوق الجمال ، تدارك سريعا بأنه تسبب في شعورها بالخجل ، فتلاها بدعابة أخرى وهو يقدم لها كتابا ويقول .. إذا قرأت هذا الكتاب سيكون نصيبك قطعة من الحلوى التي سأقدمها لهؤلاء الأولاد الأسبوع القادم مكافأة لهم على انتظامهم في الحضور ، ضحك الجميع وشعرت بأن الظروف قدمت لها الفرصة التي تترجاها وبأن حاجز الكلفة الذي كان يفصلها عنه تلاشى فجأة وما عليها سوى التقدم بحرص . عادت إلي المنزل طائرة تملأ الأحلام خيالها بأن السعادة توشك أن تفتح ذراعيها وبأنها كانت واهمة  عندما كان يداهمها هذا الإحساس الكئيب بأنها لن ترى من الحياة سوي وجهها العابس ، ها هي الحياة تطل عليها بوجه يعجز أبلغ الشعراء عن وصفه . انكبت تلتهم صفحات الكتاب لتنتهي من قراءته سريعا ، ليكون لها ذريعة في الحديث معه في الأسبوع القادم ، انتقلت من صفحة لأخرى ووجهه يطل عليها مع كل صفحة من صفحاته ، لم يغمض لها جفن إلا مع آخر صفحة فطوته ووضعته تحت وسادتها ولأول مرة تنام نوما عميقا منذ فترة طويلة . استيقظت وهي تشعر بنشاط غير عادي بالرغم من الساعات القليلة التي قضتها نائمة وعندما التقت مع وجهها في المرآة لم تحملق فيه كثيرا ، استدارت مبتعدة خشية أن تنظر إليه بنظرة حاسدة ، ولم يغب هذا عن صديقتها كريستا عندما شاهدتها في عملهم المشترك فبادرتها وهي تنظر إلى وجهها قائلة :
ـ أراك اليوم في أحسن حال .
أجابت سوسو ضاحكة :
ـ إنني أشعر بأنني احسن من حسن الحال نفسه .
ـ هل للأب سمعان فضل في هذا الحسن الذي يقطر من محياك ؟
ـ ما ترينه ما هو إلا خليط من حسني وحنانه .
ـ إذا فقد نجحت في إلقاء شباكك حوله .
ـ لست أعلم من الذي القي شباكه حول الآخر .. أشعر بأن شباكه التي التفت حولي دون قصد منه اقوى بكثير من شباكي التي أحاول أن اجتذبه بها .
سألت كريستا وفي عينيها نظرة آسفة :
ـ هل لي أن أعرف ما الذي تسعين إليه؟ !
ـ أن يكون لي بأي طريقة وأي أسلوب يختاره هو .. أجابت سوسو بلهجة الواثق من نجاحه .
ـ سأراك بعد العمل .. قالت كريستا وهي تبتعد متنهدة كما لو كانت تريد إنهاء حديث لا فائدة من الاستمرار فيه .
********
تعمدت ألا تذهب للصلاة صبيحة يوم الأحد ، لغرض في نفسها من جهة ولأنها تعلم أنها ستراه بعد ظهر اليوم نفسه من جهة أخرى ، تعجلت الساعات ، لم تعلم إن كان تبكيرها بالذهاب جاء عفواً أم عن قصد مدفوعة بغاية في نفسها وسواء كان هذا أم ذاك فأنها وصلت مبكرة ، وجدت الباب مفتوحاً ولم تر سوى رجل يقوم بالنظافة لا تعلم إن كان متطوعا أم يقوم بها لقاء أجر ، دلفت إلى قاعة الاجتماعات غير متوقعة أن تراه جالساً على أحد المقاعد مغمض العينين ، أحس  بوقع خطوات تقترب منه فاعتدل في جلسته ونظر إليها تسبقه ابتسامته الوديعة قائلا :
ـ أراك متلهفة علي الفوز بقطعة الحلوى .
أجابت وداخل رأسها فكرة لم تجرؤ على الإفصاح بها :
ـ لكنى اطمع في حالة تفوقي أن أفوز بمكافأة تفوق قطعة الحلوى .
قال وهو يتصنع الجدية :
ـ انك لن تفوزي حتى بقطعة الحلوى عقابا لك على تغيبك عن حضور الصلاة صباح اليوم .
ـ إذاً سأنسي كل ما قرأته بالكتاب .. قالت مازحة تغمرها سعادة لا توصف لانتباهه لتغيبها وهذا بالنسبة لها خطوة لا بأس به ، وأغراها خلو المكان لمحاولة اتخاذ خطوة شيطانية للأمام  لتُسرع من تحقيق هدفها فقالت له وهى تزداد اقترابا منه  ، لكن هناك بعض الكلمات استعصى على عقلي فهمها .
قال الأب سمعان وهو لا يعلم أنه يحادث الشيطان في صورة امرأة :
ـ أريني ما استعصى عليكِ فهمه فلايزال أمامنا بعض الوقت قبل حضور شباب الاجتماع .
ازدادت اقترابا منه ، مدت يدها بالكتاب وهي تفتحه عشوائيا علي أحد الصفحات ، أمسك بالكتاب ، تقدمت خطوة أخرى وانحنت للأمام لتشير له علي كلمة ليس بها أي غموض ، لكن عينيه لم تنظرا سوى يد بضة وأصابع كأنها فُصلت تفصيلا تعلو قممها أظافر منمنمة اتخذت لها طلاء بلون طلاء شفتيها الذي رآه ونفذت رائحته إلى أنفه من قبل ، ازدادت إنحناءتها واقتربت رأسها من رأسه ، أحس بأنفاسها تلفح وجهه وشذى عطرها الأخاذ يخترق انفه متصاعدا إلى عقله فيغلفه ليتأرجح بين الوعي واللاوعي ، انكمش تفكيره داخل دائرة لا تتسع لأكثر من اثنين ، ضاق محيطها ليحاصره بين ظهر مقعده من الخلف ونيران جسدها من الأمام ، استطاع أن يرفع وجهه لأعلى عن الصفحة المفرودة أمامه ، وقعت عيناه على ثمرتين ناضجتين تطلان من صدر فستانها الذى اصبح مع انحنائها كباب ُفتح على مصراعيه .أحست بسطوتها التي لا تقاوم وبنشوة قائد يرى أن الانتصار اصبح قاب قوسين أو ادني ،  أرادت أن تنهي المعركة بفوز ساحق ، لم يمنعها من تحقيق ذلك سوى صوت أقدام آتية من الخارج ، ارتدت إلى الخلف وهي تلعن في داخلها ذلك القادم الذي أفسد عليها فرصة الفوز ، جلست علي المقعد القريب ، وكانت الخطوات لبعض الشباب الذين اقتحموا المكان بصخبهم سائلين  الأب سمعان أن يصاحبهم ليطلعهم علي بعض الأشياء التي يتطلبها الاجتماع ، سار معهم كمن يسير في نومه تاركا الكتاب على المقعد الذي كان جالسا عليه متحاشيا أن تلتقي نظراته بعينيها ، اتخذ مكانه في الاجتماع بعقل غائب وهو يشعر بأنه في أشد الحاجة للاختلاء بنفسه ، استأذن بعد بدايته بوقت قصير تاركا من ينوب عنه ، رآها من بعيد وهي لا تزال في جلستها وكأنها تنتظره ، اكمل طريقه نحو غرفته مباشرة وأغلق الباب ، ألقي بجسده جالسا فوق الفراش مسنداً ظهره للحائط ، تملكه العجب  من كيانه المرتجف يكاد أن يُنكر نفسه ، أين صلابته وقوته ولماذا يشعر بهذا الوهن أمام عينيها ؟! ، أين هو الآن من موقفه أمام جمال ابنة عمه ودموعها التي سفحتها ، كانت أمامه الفرصة للزواج منها دون أن يقع تحت طائلة الخطيئة واللوم وعذاب الضمير ، فما باله يشعر بكل جسده يرتج أمام هذه المخلوقة وكأنها أسرت كل أحاسيسه ، هل لأن أسلحة ابنة عمه كانت مشروعة ونظيفة أمام أسلحتها المدمرة !!! ، وما هذا الإحساس الذي تملكه وهو ينظر ثمرتيها الناضجتين ، فلم يغض البصر عنهما وكأنه يستلذ مرآهما!! ، وماذا كان سيحدث لو استمر الموقف اكثر من ذلك ؟! ، تأكد بأنها كانت تقصد أن تجذبه داخل حيز أنوثتها وتشوقه بالرؤية حتى تقضي على كل مقاومة له عندما تدعوه للتذوق ،  ما حدث اليوم قطعاً لم يكن وليد الصدفة ، لا بد أنها كانت مبيتة النية عليه عند أول فرصة تتاح لها ، قفزت إلى ذاكرته واقعة القبلة التي تركت بصمة شفتيها على ظهر يده فأكدت من ظنونه ، لكن السؤال الذي كان يحيره لماذا اختارته هو ؟! ، ما تملكه من جمال يمكنها من الاستحواذ على أيَّ رجل يروق لعينيها لتزج به إلى قفص الزواج ويظل حبيس أحضانها إلى آخر العمر ، لماذا تقاتله وهي تعلم أنها حتى لو نجحت في أن تجعله صريع هواها ولم تمنعه القيود التي كبل بها نفسه بمحض أرادته فأنه لن ينجو من عذاب الضمير الذي قد يقضي على كل مشاعره ، ها هو الآن يشعر بنيرانه لمجرد أنه استباح نظرة محرمة عليه ،  هل يفقأ عينه كما فعل سمعان الدباغ عندما فقأ إحدى عينيه لمجرد أنها وقعت بدون قصد علي عورة المرأة التي كان يُصلح لها الحذاء بحكم عمله ، أي قوة هذه التي تملكت هذا الرجل البسيط ودفعته لأن يدفع بالمخراز إلى عينه فيطفئها نورها؟!!، وهو الآن يشعر بالعجز حتى عن صرف تفكيره عما شاهده . وبدلا من أن يحاسب نفسه أطلق العنان لها وكأنه يستعذب ما حدث ؟!!! .

وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف :
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة