قطع رؤوس البشر مسموح : لكن قتل الحمام ممنوع

الرابط : الجريمه ::
شوقية عروق- منصور – فلسطين المحتله ::
من الصور التي سيحملها أرشيف الربيع العربي، ليس فقط الشوارع والطرقات والميادين التي تفجرت وأخرجت ينابيع الحناجر من تحت تربة الصمت والقهر والكبت، وليس الشعارات التي أظهرت الطاقات الكلامية والكتابية وسرعة الخواطر في تسجيل عبارات الرفض حتى أصبحت عبارة “الشعب يريد تغيير النظام” أو “الشعب يريد تغيير الرئيس” جزءاً من نشيد طويل لشعوب تعلمت أن تكون موسيقاها مرتبطة برضى القائد والزعيم, بل تلك الصور القاتمة التي ستقتحم أرشيف الربيع العربي، صور الدم والجثث الملقاة وأعداد الضحايا التي لا تعد ولا تحصى. فهناك دائماً ضحايا في الظل يسقطون تحت الأرقام وبين السطور ولا يعرف عنهم أحد، حتى قبورهم بدون عناوين..!
لكن صورة قطع الرأس, بأسلوب همجي والرقص به في سوريا، ستكون من الصور الوحشية والمفزعة التي لا يصدقها عقل وخيال. ومن يرصد مقاطع الفيديو التي يضعها هؤلاء, الذين يقومون بهذه الأعمال على الانترنيت, يجد أن الفخر بهذا التصرف لا يوازيه أي فخر وبطولة عالمية، كأن السباق بالسكين هو شجاعة ورجولة وفحولة يسجلها التاريخ.
في سوريا كل شيء مباح، وإذا غاب الوطن عن الوجود فكل شيء مباح حتى الجريمة. هذا ما يلخص الحالة الجنونية الحربية التي تنخر الأرض والسماء والبشر والحجر. وقد نقبل الحالة العسكرية وعمليات الدفاع والمواجهة، لكن حين يكون السيف والسكين بيد البعض وسيلة للذبح وقطع الرأس، ثم الإمساك بالرأس ورفعه إلى أعلى كأنه رأس خروف والضحك والبصق عليه, فهذا منتهى الوحشية والرفض. والذي يشعرك بالخجل والعار أن مقطع فيديو الذبح يتحول إلى مادة للمتعة والاستمتاع والتشفي والسعادة، وليس للرفض والاستهجان والمطالبة بالكف عن هذه السلوكيات الوحشية التي تدينها الديانات والنبض الإنساني.
إن رمي الجثث من فوق أسطح العمارات، وإطلاق الرصاص عن قرب والتباهي بذكورية المقنّع وضع غير طبيعي. لكن قطع الرأس وحمله وإطلاق الضحكات والمطالبة بتصوير الإنجاز الهام كأن الجزار هو القاضي والملاك وصاحب القول والفصل، هو قمة السقوط والدناءة البشرية, ولا تدانيها دناءة الحيوانات.
لا أحد يسجل الرفض، فهناك صمت مطبق ومتآمر من جميع الأطراف, حتى القادة والزعماء ومشايخ النفط ورجال الدين هم جزء من مسؤولية الصمت، مهما حاولوا تبرئة أنفسهم ووقفوا في صف المتفرجين وجلسوا على مقاعد المصطافين.
وما دام السكين هو صاحب القرار على الإنسان، نراه يبتعد عن الحمام المنتشر في مكة المكرمة, الذي تحول إلى كوابيس بالنسبة للسكان. فهو يلحق الأضرار بالمنازل, ويبحثون عن حلول وآليات للحد من تكاثره. فبعض سكان مكة المكرمة استعانوا بشركات متخصصة لمحاربة الحمام, عن طريق ذبذبات كهربائية توضع في نوافذ المنازل وأسطحها لمنع عشعشته وتفريخيه.
البعض يتذمر لأنه يقوم بطلاء المنازل بالدهان دائما لإزالة المخلفات التي يفرزها الحمام، والبعض الآخر يطالب بإنشاء مساكن خاصة للحمام للحد من الأضرار. أما أمانة مكة المكرمة فتؤكد أنها تقوم بغسل الأرصفة يومياً لإزالة المخلفات الصادرة عن الحمام, وتراقب الذين يبيعون الحبوب للمعتمرين الذين ينثرونه للحمام..!
يقولون بأن هذا الحمام من سلالة الحمام الذي عشش في “غار ثور”, عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مختبئاً فيه. وهناك قول يشير إلى انه من سلالة طير أبابيل, التي أتت من البحر بالحجر ورمت أبرهة الأشرم عندما عزم على هدم الكعبة. لذلك لا يستطيعون قتل الحمام رغم كل الأضرار، فهم أمام طيور أحيطت بالقدسية.
ولكن ذبح الإنسان قد يكون فيه نظر وتمتع وإنتصار ورجولة ملفعة بالقناع والفخر المزيف. وحين نقول فلان “نظيف مثل حمام مكة”, أو “بريء مثل حمام مكة”, لنتذكر أن هذا الحمام يسبب أيضاً الإزعاج وإنهم يفكرون بطريقة لإيقافه عند حده..! لكن هل هناك من يوقف هؤلاء, الذين عشقوا السكين والتصوير، وتركوا الرؤوس معلقة متدلية، تنظر إلى سكينها وتسأل من صنع السكين وشحذها..؟!!

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة