لله درنا ما اتعسنا ونحن نتنفس وجدا ونزفره بكاء حارقا


الرابط : فن وثقافة : :
فراس حج محمد – فلسطين المحتله : :
لم أكن أصدق يا شهرزاد أن الحب قد يدفعني للبكاء المرّ، ولم أكن أتوقع في يوم من الأيام أن أبكي على فراق أحد حتى بالموت، ربما لأنني لم أجرب فقدان عزيز عليّ وأنا بكامل التهاب مشاعري، وربما لم أشعر بالفقدان بمعناه الوجودي الكبير المفتوح على أسئلة كبرى تصدم كل ذي إحساس توهج ذات ليل بحب امرأة كانت أقرب إليه من روحه، فتركته ورحلت، فماذا سيصنع بعدها؟ لا حيلة له إلا البكاء يا شهرزاد، فهل سترحمين هذا الضعيف الخائر الذي تعمد في دموعه، وتقاطرت وتماطرت سحائب حزن فؤاده دما تحرق ما تبقى من عمره!!
لم أكن أصدق يا شهرزاد أنني سأتعلق بامرأة كما تعلقت بك، أغدقتْ عليّ غيوم وجدك حبا وحنانا وعطرَ ورود جعلتني أختال رجولة وأشعر بأنني ما زلت مقيدا في سجل العاشقين المعشوقين الذين أكرمتهم طيوب الحب وأنعشتهم رياح صبا الوجد الكريم، لم أكن أتوقع أن تفيضين نهرا من شوق وأنت تعانقين حزني القديم فتحيلنه فرحا جميلا يقبس النجوم ويضعها حروفا في لغة الشعر لتنظم لك أبهى القصائد وأرواها حنينا واشتياقا!!
لم أكن يا شهرزاد أتوقع أن تبكي لفراقي كما بكيت لفراقك بعد أن أزهرت الدنيا وتلقتها لألئ الروح بالنور الغامر النابت في مسارح النفس شجرا للأمل، يؤتي أكله كل حين بإذن العشق المقدس الطهور، لقد تعلقتُ بك حد البكاء، وتعلقتِ بي حد النحيب، فكنا كما يقول كلام الروايات: “الرجل لا يتعلق بامرأة يبكيها، بل بامرأة تبكيه”*، وليكن مسموحا لي أن أشرح قليلا هذا القول: فقد تعلقت بك وأحببتك حبا جما لا لأنك أبكيتني عمري كله وحسب، ولكنك أعطيتني قيمة كنت غافلا عن أن أجدها في نفسي، فكيف إذا صحوت من ذلك الحلم وقد رأيتك بعيدة عني، غير آبهة بما أعانيه وأقاسيه من ألم الوجد وليئم الفراق.
وأنت يا شهرازد، ألم تبكِ يوما لأنني كنت بعيدا عنك لا تظفرين بلحظة وصال تنعش الروح والنفس، وتنفض أتربة الألم في جسم هدّه العمل وطول الانتظار وبؤس الحياة، أيمكن أن أقول محاكيا أحلام مستغانمي: “المرأة لا تتعلق برجل أبكته، بل برجل أبكاها” لنكون متكافئين في التعلق والحب والوله والشوق المؤبد عمرنا كله.
هذا هو حالنا يا شهرزاد بكاء على فراق اخترناه بأنفسنا وعلى حب لم نقرره نحن، بل تملكنا وقرر أن يحتوينا ويبهجنا وقتا كبارقة ليل، ويقرر ألا يتركنا إلا وقد أنهى حياتنا باكين متحسرين على ما فرطنا في جنب القلب الذي خنّا توقعه، وقررنا أن نُشقيه ونحرمه أمنياته، فلله درنا كم كنا طغاة وقاسين، ولم نراع حقا لحب وذكرى جميلة ومعنى كان سيكتب أسماءنا في دفتر الحب ياسمينا يفوح عطرا فينعم بأريجه الكون بأكمله.
لقد بكينا يا شهرزاد لحكم نحن قد حكمنا فيه بمحكمة قضاتها غير نزيهين وليسوا عادلين، فتبا لشقائنا وتبا لقراراتنا غير العاقلة، وتبا لخيانتنا لقلوبنا، فقد حطمناها بمعول الهجران والعقل الذي لم يكن حكيما ورزينا، لله درنا ما أشقانا يا شهرزاد، لله درنا ما أتعسنا ونحن نتنفس وجدا ونزفره بكاء حارقا!!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة