الصاروخ الفلسطيني

الرابط : دراسات :
بقلم زهير كمال – نيويورك :
أول صاروخ وصل الى تل أبيب رفع معنويات الأمة الى السماء. لم يكن مهماً أن يصيب الصاروخ هدفاً أو يوقع خسائر بشرية بل ربما سقط في البحر كما ادعت وسائل الإعلام الغربية ولكنه حمل معه معانيَ كثيرة بقدر ما حمل من آمال كبيرة.
يعتبر هذا الصاروخ معجزة بكل المقاييس، فهو يمثل قدرة الإنسان العربي على صنع المعجزات إن أعطي الفرصة وكان له قيادة أمينة تؤمن به وتدافع عن تطلعاته.
أبدع المصري في حرب 1973 واستطاع تدمير خط بارليف الذي اعتبر من أقوى الموانع العسكرية ولا تؤثر فيه أقوى المدافع فاستعمل قوة الماء في تفتيته.
أبدع اللبناني في إنشاء الأنفاق بين البيوت وفي مناطق صخرية صلدة ليفاجئ عدوه ويجعل جيشه مهزلة بين الجيوش.
أما الفلسطيني فقد كان إبداعه يفوق الوصف. فمنطقة غزة سهل صغير مفتوح من كل الجهات ويعتبر بكل المقاييس ساقطاً عسكرياً، فهو محاصر براً وبحراً وجواً ناهيك عن العملاء الذين جندتهم المخابرات الإسرائيلية أثناء احتلالها الطويل للقطاع ، كذلك معرفتها بكثير من قيادات العمل السياسي والعسكري في غزة فقد مروا على سجون الاحتلال وقضوا فيها فترات كافية لدراستهم . مع كل ذلك استطاع الغزيون تهريب السلاح في منطقة لا تتجاوز أربعة عشر كيلومتراً في منطقة أنفاق رفح رغم وجود نظام مبارك الذي يدعم إسرائيل ، واستطاعوا أيضاً إقامة مصانع كاملة لتصنيع الصواريخ من المواد الأولية ، وأكثر من ذلك التدريب على وسائل التكنولوجيا الحديثة والتمرينات القتالية ووسائل إطلاق الصواريخ بدون التعرض للأذى في المناطق المكشوفة والمراقبة بشكل دائم. ولا شك أن هذه معجزة بحق تثبت تفوق الإنسان العربي ، ويجب أن لا يستهان بهذه النقطة أو يمرّ عليها مرور الكرام.
خسرت إسرائيل هذه المعركة ويدخل ذلك ضمن مسلسل الخسائر الصغيرة التي منيت بها إسرائيل مؤخراً.
وإن أردنا تحويل التاريخ الإسرائيلي (أو محاولة فرض وجودها في المنطقة بالقوة) الى منحنى بياني لوجدنا أن حرب عام 1973 هي النقطة التي توقف فيها صعود المنحنى ، استمر في خط مستقيم الى عام 2000 تاريخ هروبهم من لبنان حيث بدأ المنحنى يتجه الى الأسفل بسرعة كبيرة ، ففي عام 2006 هزمته المقاومة اللبنانية وفي عام 2009 لم يستطع تحقيق نصر على المقاومة الفلسطينية في غزة ، أما عام 2012 فهو عام الطامة الكبرى في تاريخ الكيان الإسرائيلي، وبالطبع لن نستهين بالخسائر البشرية والمادية التي مني بها الشعبين اللبناني والفلسطيني ولكن القدرة على التحمل وامتصاص الخسائر هي أكبر بكثير وليس هناك وجه للمقارنة.
وصول الصواريخ الفلسطينية الى منطقة الوسط تعتبر كارثة كبرى للإسرائيليين وتأخذ منحى خطيراً في النزاع الطويل بينهم وبين عدوهم التقليدي، الفلسطينيين أصحاب الأرض.
المعارك الأخرى ، إذا استثنينا الانتفاضات الفلسطينية، كانت بين إسرائيل كدولة وبين جيرانها، أما هذه المعركة فتطرح سؤالاً هاماً وهو ما الذي يمكن أن يفعله الفلسطينيون إن حصلوا على الامكانيات المناسبة من أشقاءهم العرب؟
ينتاب المرء حب فضول عارم لمعرفة ما الذي كان يدور في عقل بنيامين نتنياهو وهو ينزل الى الملاجئ لأول مرة وينزل معه مليون ونصف المليون من سكان الوسط بعد نزول عدد مماثل في الجنوب؟ وللمرة الثانية يصبح داخل إسرائيل ساحة معركة بواسطة سلاح بسيط، سلاح الفقراء والمستضعفين، الصواريخ البعيدة المدى التي حاولوا جاهدين صدّها بواسطة القبة الحديدية وغيرها من الأنظمة المضادة، وفشلوا.
ولكن ما الذي حدا بنتنياهو ولبيرمان لخوض هذه الحرب التي لا لزوم لها، وإسرائيل على أبواب انتخابات نيابية كان متوقعاً لهما الانتصار فيها؟
إنه غرور القوة وصلفها الذي يعمي الأبصار والبصيرة. فمنذ عام أو أكثر وهم يطلقون التصريحات النارية ويضعون الخطوط الصفراء والحمراء لجيران إسرائيل، سيدة المنطقة التي تتصرف كما يحلو لها في محيطها ، فالعالم العربي، مجال نفوذها، ما زال في أضعف حالاته ، وتستطيع إرباك أي تقدم أو تغيير فيه ما دامت مصالحها تتلاقى مع مصالح الأنظمة الرجعية التي تحكم معظم دوله، وتستطيع ذراعها الطويلة أن تمتد الى أي مكان تشاء مهما كان بعيداً ، وأقرب مثل مصنع الأسلحة في السودان.
اذاً لا بأس من عمل سهل يعزز قوة اليمين ويزيد من مقاعده في الكنيست فيحكم إسرائيل بأغلبية مريحة. وكان اغتيال الشهيد أحمد الجعبري الصيد الثمين في نظر المؤسسة العسكرية، وفي نظر الطاقم الوزاري المصغر.
وكما نلاحظ فان اليمين الإسرائيلي الحاكم يبتعد عن لبنان وحزب الله رغم استفزازات الشيخ حسن نصرالله المتكررة، فهم في غنى عن إعادة التجربة معه ، هم بالطبع أناس عمليون لا توجد عندهم مشاعر الثأر جرّاء هزيمتهم السابقة في حرب 2006 وليس هناك سوى غزة الضعيفة يتصيدون فيها ويربحون مقاعد إضافية.
كان الرد الفلسطيني المقاوم في منتهى الذكاء، وأدى الى تورط إسرائيل في المعركة، وقد صدرت بعض التحليلات السياسية التي تزعم أن إسرائيل أرادت اختبار أنظمة الربيع العربي ولكنني أميل الى الاعتقاد أن الفلسطينيين هم الذين كانوا يختبرون هذه الأنظمة الجديدة، والتي كانت عند حسن ظنهم في الحد الأدنى بالرغم من الظروف الصعبة التي يمرون بها.
اتفاق التهدئة :
بالرغم من رد إسرائيل العنيف كعادتها إلا أنه لوحظ تخبطها الواضح في كيفية إدارة الحرب وتصعيدها الى حرب برية، ففي البداية طلبت الحكومة تجميع وإعداد 15000 من جنود الاحتياط رفعتها الى 30000 ثم 75000 في النهاية، وكان لابد من إنقاذ إسرائيل من ورطتها.
هذا ما قامت به الولايات المتحدة بواسطة هيلاري كلينتون، ورغم التصريحات الأمريكية التقليدية عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وإدانة المقاومة الفلسطينية إلا أن ما فعلته إسرائيل يعتبر مخالفاً لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، فهي تريد الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الحكومات الجديدة في مصر وليبيا وتونس ولا تحتمل فلماً مسيئاً آخر كما أنها لا تريد تشتيت الانتباه عن المعركة الدائرة في سوريا ، وبدأ إحساسها ببرميل البارود الخامد في الضفة الغربية.
ولاشك أن هذه الشروط القاسية على إسرائيل لم تكن لتقبل بها إلا بفرض من الولايات المتحدة عليها.
هناك خطأ يرتكبه بعض المثقفين العرب، إذ يقومون بتكبير حجم إسرائيل الى حد اعتقادهم أنها تدير الولايات المتحدة ولكن الحقيقة أن إسرائيل لا تعدو كونها قاعدة عسكرية تديرها الإدارة الأمريكية بدون اغفال أن لرجال سياستها بعض التأثير عبر اللوبيات الصهيونية النشطة وعبر السيطرة على الإعلام.
أخطأ المثقفون قبل قيام إسرائيل بتركيز عدائهم لليهود الصهاينة وأغفلوا مشغّليهم دولة بريطانيا العظمى أو الاستعمار القديم ، واليوم يغفلون دور الامبريالية في عصر العولمة.
خسر نتنياهو الحرب ومن المتوقع أن يتم ترجمة ذلك في الانتخابات النيابية ، ولكن لا يوجد   أمام الناخب الإسرائيلي بدائل أفضل.
الملاحظة الجديرة بالانتباه أن المؤسسة العسكرية التي تصدر باستمرار رجال السياسة في إسرائيل لم تعد كذلك منذ بدأ المنحنى البياني بالهبوط ابتداءً من عام 2000. فهناك رئيسا أركان هما دان حالوتس وموشيه يعلون ليسا بذوَيْ قيمة سياسية. وهو مؤشر هام على الانحدار الذي لن يتوقف.
كان الخاسر الثاني محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، وهذا أمر طبيعي فالمفاوضات عادة تتم بين المتحاورين بالسلاح. الغريب في الأمر أن هذا الرجل لا يملك أية ذرة من الحياء،   فبعد فشل استراتيجية الاستسلام التي يتبعها بدأ معركة مبارزة طواحين الهواء أو المعارك الدون كيشوتية في موضوع عضوية فلسطين في الأمم المتحدة كمراقب، لم يقل محمود عباس وأعضاء شلته ما الذي تستفيده فلسطين من هذه الخطوة التي يعتبرونها خطوة خطيرة وهامة وهناك العشرات من الدول الكاملة العضوية إنما هي إكمال عدد. غريب تمسكه بسلطة وهمية رغم الفشل المستمر إلا إذا كان مطلوباً منه تأدية دوره في إحداث المزيد من الخسائر للقضية الفلسطينية، ولا زال يمارس تجارة بيع الوهم لشعبه.
لن يكتب لاتفاق التهدئة النجاح وستحاول إسرائيل بكل طاقتها إفشاله فهو خسارة كبيرة لها ويعني فتح الباب على مصراعيه لمزيد من تدفق الأسلحة الى غزة وسيضع هذا قيادات المقاومة في وضع حرج ويترتب عليهم وضع هذه النقطة في حساباتهم، فما دام هناك حق ضائع فلن تتوقف المعارك بين طرف يحاول تثبيت الوضع القائم وبين طرف يحاول تغييره.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة