كيف منحنا قلوبنا للرصاص الذي انهمر

الرابط : فضاءات عربية :
د. أحمد الخميسي – مصر :
لايكف الموت عن الحياة. إنه يعيش ويتجدد كل يوم . لكن ما أقل الموت الذي يندفع بالبشر إلي أحضان الوطن. في 20 نوفمبر الحالي رحل عن عالمنا شاب صغير لم يبلغ السابعة عشرة هو جابر صلاح الذي أردته قتيلا عدة خراطيش في شارع محمد محمود. كان المفروض في 29 ديسمبر القادم أن يتم عامه السابع عشر، لكنه لن يتمه. وسيبقى إلي الأبد كما كان في اللحظة التي توفي فيها ، شابا، خارج الزمن، لايعرف المدرجات الجامعية ولا سنوات النضج ، ولا الكهولة . محكوم عليه أن يبقى شابا إلي الأبد .

جابر أصغر أشقائه ، تلميذ في الصف الثاني الثانوي بمدرسة الخديوي إسماعيل. كان يعمل فترة مابعد الدراسة لتخفيف العبء عن أسرته. وفي السن التي يبدأ الناس فيها الحياة .. غادرها. من أين يأتي قلب أخضر صغير بكل هذا التحدي والحرارة فيقف أمام الموت بجسارة .. ليس مرة بل مرتين؟ الأولى في نوفمبر العام الماضي في شارع محمد محمود والثانية منذ أيام في نفس الشارع ؟ سبعة عشر ربيعا لا أكثر ؟ هل أسعفه الوقت خلالها فخفق قلبه بأوهام الحب الجميلة ؟ أكان عمره كافيا ليختبر ألم الخيانات الصغيرة والاحباط ؟ أم أنه وهو في مطلع العمر كان يرى كل شيء جميلا .. كما كنا كلنا نرى الدنيا في تلك السن؟

رحل جابر صلاح من حياة في أرضنا إلي حياة في قلوبنا ، ومن حياة في ترابنا إلي حياة في سمائنا ، لأن معنى رحيله تقاطع مع معنى الوطن . كان جابر أحد الذين انتخبوا الرئيس مرسى . يوم الانتخابات حاول والده أن يثنيه عن ذلك فأجابه بأدب “يابابا هو أحنا عملنا ثورة ومات من شبابنا اللي مات علشان نعيد نظام مبارك مرة أخرى للحكم؟ . لاء . أنا نازل أنتخب مرسى”. هكذا وهب جابر صلاح ثقته كلها للرصاصة التي أطلقت عليه، وأعطى أحلام قلبه اليافع للرئيس مرسي، وانتخب بأمل القناصة الذين أردوه قتيلا ! وأصبح جابر صلاح شهيد أول رئيس مدني منتخب !

انطلت على جابر خدعة أن الأخوان المسلمين فصيل من فصائل الثورة. الخدعة التي شاعت نتيجة الاعتقالات التي تعرض لها الإخوان عهد مبارك مما جعلهم يظهرون كقوة ثورية. لكن المعارضة بحد ذاتها ليست دليلا بعد على أن أصحابها من قوى الثورة ، وإذا دققنا النظر سنجد أن السجون طالما كانت عامرة بشتى أصناف المعتقلين، وأن الحبس بحد ذاته ليس معيارا ولا مؤشرا على الانتماء للثورة . فالانتماء للثورة يكون وفق برنامج القوة السياسية وليس وفقا لعدد مرات اعتقال أعضائها . إن برنامج الإخوان المسلمين بطبيعته معاد للثورة ، وخصم لها ، لأنه يعتمد نفس أسس نظام مبارك القديمة : علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية للغرب التي تجلت في تقديمهم ضمانات بأمن إسرائيل ، وفي قبولهم بقروض صندوق النقد وشروطه. برنامج العجز عن استنهاض الصناعة والزراعة أو إصلاح أحوال التعليم والصحة والمرافق ، ومواصلة الدوران داخل دائرة التفاوت الطبقي الفاحش. برنامج يعادي الفنون وحرية التعبير والعلوم وتحرر المرأة . برنامج يضع بإعلان دستوري واحد كل الصلاحيات في يد الرئيس شاطبا على استقلال القضاء والسلطات التشريعية والتنفيذية . برنامج كهذا يشير بوضوح إلي أن الإخوان خصوم الثورة . ولايمكن أن يكونوا منها لمجرد أنهم تعرضوا للاعتقالات في زمن ما. ويوما بعد يوم يكشف الإخوان عن وجههم الحقيقي وصولا إلي رمي جابر صلاح بالرصاص في شارع محمد محمود ، ليصبح موته البطولي مأساة تجرى مرارتها في كل حلق. لعل الشاعر سمير الأمير قد لخص تلك المفارقة المؤلمة بقصيدته :
يا ثورجي ثورتك وقـعـت على راسك
وقعدت تضرب أخماسك في أسداسك
عاتـب عليك .. لـمـا أنت مـش زيهـم
صدقت ليه كدبهم ؟ وخنت إحساسك ؟
ماذا يبقى غير أن نقول لك إننا أيها الراحل العزيز نجل التمرد ، ونعشقه ، حتى لو ضل الطريق؟ . لا نقول وداعا لأنك ستنمو وتكبر وتضحك وتعرف سنوات الشباب والنضج في صميم قلوبنا .
***
أحمد الخميسي
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة