شرعية على صفيح ساخن

الرابط : سياسة واخبار :
جواد بولس – فلسطين المحتله :
أعلنت إسرائيل الرسمية على أنّها حققت ما رسمته منذ بداية اعتدائها على أهل غزة من أهداف. لقد ادّعى قادتها أن العملية العسكرية حقّقت قسطًا وافرًا من الردع الذي سيبطل كثيرًا من نزعات حماس والفصائل الفلسطينية المقاوِمة في غزة للشروع في عمليات عسكرية، محدودة أو واسعة، ضد أهداف إسرائيلية وضد مواطنين إسرائيليين. وكذلك ضمنت موافقة “غزّية” لهدنة راسخة وطويلة الأمد ستعيد للجنوب الإسرائيلي طمأنينته وانغماسه في عيش رغيد كما يليق بشعب دولة لا تستبيح دم شعب آخر ولا تحتل أرضه.
قادة إسرائيل يستعينون بحالة الشمال الإسرائيلي الذي ينعم بحياة طبيعية منذ نهاية المواجهة مع “حزب الله” عملية، خلّفت هي أيضًا، عدا الدمار والخسائر، نزاعًا حول من انتصر ومن كان الخاسر المندحر.
لا أعتقد أن إسرائيل حقّقت كل ما أعلنت عنه كأهداف مرجوّة من وراء قصفها وتسببها بقتل مائة وستين من أهل غزة وأعداد كبيرة من الجرحى وكم هائل من الدمار في “الأموال ونفوس العيال”. ربما على عكس ما توقّعت ورسمت، جنت على بعض من أحلامها وقضت على بعض من آمالها، وهي في أحسن الأحوال عكست مجدّدًا ما تجيده  “كعربيدة” عاشت وستبقى تعيش على حد السيوف. وفي أسوأ الأحوال كانت في مغامرتها الأخيرة شجاعة، بل “أشجع من حصان أعمى”.
في غزّة، حماس مزهوّة بنصرها، وكذلك فصائل مقاومة أخرى. في غزّة وجع وحزن وبكاء أمهات على أطفال ضحايا عنجهية خرقاء. في غزة شعب يكابد، يخاف، يقلق، ينام، يفيق، يذعر، لكنّه يعشق الحياة ويصر أن يجد إليها السبيلا. لم يحقق العدوان الإسرائيلي على غزة ما انتظره من ردع وتخويف وتركيع.
كم قيل وسيقال في نوايا حكومة إسرائيل من وراء ما أسمته بعملية “عامود الدخان”. كل ما ألصق بها من نوايا وأهداف افتراضية مبرّر وصحيح، وسيبقى الفرقاء على طرفي نقيض. الكل يدّعي النصر لصالحه وغزّة، حتمًا، ستكذّب الطيّار.
إلى ذلك، وعلى مستوى آخر، فلقد كشفت هذه المغامرة الإسرائيلية عن بعض الحقائق الهامة التي ستؤثر على ما سيأتي من فصول غائبة في ملهاتنا الفلسطينية ومستقبل مدن الرمل والصفيح التي لن تنسى ولن تصفح.
مصر كانت وما زالت هي مصر. عادت إلى دورها كوسيط يشارك، يدعم، يربط ويحل من باب “في بيته يؤتى الحَكَم” فهي وسيط مقبول على الأطراف، لا سيما أمريكا “أوباما وكلينتون” وعلى إسرائيل كذلك. مصر الجديدة هي مصر الأمن والدبلوماسية ماثلة وممتثلة للمصلحة العليا المصرية. ولذا لا أستبعد تبادل سفراء الدولتين قريبًا وإعادة العلاقات إلى ما فرضته وثيقة “الزواج العرفي” الأولى الموقعة في كامب ديفيد، والتي ما زالت قائمة، ومصر تعهّدت، أول ما تعهدت، بالمحافظة عليها.
كذلك أكّدت هذه “الحُريب” أنه إن كنت في الشرق فتحدث كأهله. فاللغة هنا هي لغة الحرب والقوة ورد الصاع صاعين. فها هي “م.ت.ف” تصرخ وتعيد وتصرخ: غايتنا السلام ودربنا المحبة. خدودنا منبطحة للصفعات والقبل. لا صواريخ تزغرد بل حناجر تدعو للرب وللحلم والحياة. قيادة فلسطينية تتمسك بخيار سلمي واحد ووحيد، سلمي حتى الشهادة والانتحار، وإسرائيل تعرض، تتمادى، تذل، تهين، وتقمع، تتجبر، تستوطن، تقتل وتقلع الزيتون والأمل لتبقي ندامات وحسرات. فهل يعقل أن يكون الدرس وافدًا من شواطئ غزة بطعم الموت ورائحة الدم ولغة تصر على أن إسرائيل “ڤيلا جميلة في الغابة”. أيعقل أن لا يكون هنالك خيارات إلّا خيارات الغاب ولغاته؟!
وغزة تعيدنا إلى دروس في “الشرعية”. كيف يصنعها الواقع وكيف تكون، إزاءها، الأحكام السلطانية. واقعنا متحرّك، تمامًا، كما الرمال في غزة وأعمدة الدخان الإسرائيلي التي لبّدت “ربيعنا” وخلطت أوراقنا من جديد؛ فبعدما صدّقنا أن الشرعية تعطى بالسلم، بالتوكيل والائتمان؛ جاءتنا “ألسنة اللهب” وكذّبت الحكاية، ففي غزة شهدنا كيف يحوّل “العالم” قضية الشرعية إلى لعبة ومسألة تطير وتحط على جناح مصلحة وواقع تفرضه الإرادة والبندقية. شرعية تجهض وتهجر وشرعية تقبل، تستعاد وتفرض من خلال  فوهة مدفع وعلى رأس صاروخ أضاء ليل إسرائيل “كالفجر”.
مصر ستمضي في مهمتها وستفرض في المستقبل القريب مصالحة فلسطينية شاملة. مصالحة لا تشبه ما قد كان ممكنًا تحقيقه قبل معركة غزة الأخيرة. فاليوم ستنضم وتسير حماس وفصائل مقاومة أخرى من تحت أقواس نصر، وهذا حقها، ولكن لن يكون تكافؤ في هذه المصالحة وستكون مخلخلة وضعيفة. ربما بعدها سيتوافق الجميع على إجراء انتخابات عامة في فلسطين لتغلق خانة جديدة فيما يتشكل من فسيفساء يستحوذ اللون الأخضر فيه على أكبر القطع.
وفي إسرائيل، التي طالبت الأكثرية الساحقة من شعبها بالاستمرار بقصف غزة وإحراقها كي يتعلم “إرهابيوها” قواعد البقاء في غابة الشرق، في إسرائيل هذه ستزحف الخارطة السياسية يمينًا صوب ما يتشكّل فيها من نظام عنصري يبقينا على منزلق خطير وصفيح ساخن.
إنها تكهنات أولية إزاء مستقبل ملتبس، لن أحزن إن أخطأت بها، فلقد كتب حكيم أن لا بأس إذا عملت واجتهدت وأخفقت، فالمهم أن تختم حياتك بالندم على أمور جديرة بالندم.
————————–
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة