لم يقل درويش يوما قدسوني

الرابط : فضاءات عربية :
فراس حج محمد – فلسطين المحتله :
لاحظت في الفترة الأخيرة تناول بعض الكتاب لشعر درويش واصطناع قضايا للنقاش حول شعره، واللافت للانتباه حول ما كتب بعض هؤلاء أنهم مفترضون أن درويشا قد مد لهم يده راجيا مستعطفا أن يقدسوه، لترى أحدهم كاتبا “لا قداسة لمبدع”، إن المسألة كلها تقوم في وعيها على أن في العقل الباطن شيئا من حتى تجاه درويش الشاعر، ولا أريد أن أصفه بأي صفة أخرى، فما أنتجه من كتب ومنجزات ثقافية هي من سيدافع عن درويش وليس بعض سطور مكتوبة هنا أو هناك، وحسبه أنه كما المتنبي كثر حاسدوه، وكل ذي نعمة محسود.
لقد تتبعت ما كتب مؤخرا حول درويش، واستفاض القول وامتد حتى وصل إلى درجة الخطل والخطر، حتى أن بعضهم كتب عن درويش وهو يفتقر لمعرفة حقيقية بدرويش أولا، وبإدراك عميق لطبيعة الأدب والعملية الإبداعية ثانيا، فجاء بما لم يستطعه الأواخر والأوائل، واجتهد في تتبع ألفاظ درويش وتراكيبه ليقول عنه بأنه قد لملم لغته من بطون الكتب التراثية والتاريخية وكتب المعاصرين مجايلين له وغير مجايلين، ولم يكن في الأمر سابقة إبداعية لهذا المطعون في الظهر المكتوب في غرة الشعر المعاصر درويش الشاعر.
لم أكن أدري لماذا كل هذا، لقد تناسى هؤلاء أن درويش الرافض فكرة التقديس حيا وميتا، قد قدم ما لديه، ونثر ما بجعبته، وكان هؤلاء يتسابقون على شراء كتبه والكتابة عنها ومدحها والإشادة بها، فإذا ما مات الرجل وارتحل، تبدلت الألحان وصار العزف جنائزيا!! لقد نسي هؤلاء أن درويش هو من قال يوما عندما كان الكل يتسابق للشهرة والظهور، قال: “أنقذونا من هذا الحب القاسي”، والآن من سيقول يا درويش أنقذوني من هذه الحرب الثقافية الباردة؟!!
يذكرني هذا الموقف من درويش بموقف الناقد اللبناني جهاد فاضل، حيث كتب كتابا عن الشاعر المرحوم نزار قباني بعنوان “الوجه الآخر”، وقال الناقد في الشاعر ما لم يقله مالك في الخمر، وجمع له من السيئات ما جمع على المستويين الخُلقي والفني، ولم يقصر في شيء، هذا الناقد الذي لم يبح بأي من آرائه تلك ونزار الشاعر حيّ، ولا أظن أن نزارا سيقطع لسان ذلك الناقد لو سمع منه حيا ما قاله!!
ولعلني لو تتبعت أكثر أو تتبعتم مزيدا من القضايا حول المبدعين لرأيتم العجب العجاب، فأنا لا أقدس درويشا ولا نزارا، ولكنّ هؤلاء المنتقدين كانوا على علم بشعر درويش قبل أن يموت، وتناولوا من أشعاره ما تجاوز عمره العقد أو العقدين، لماذا صمتوا كل تلك المدة ولم يبحوا بأسرار العقول، أم أنه على رأي المثل الشعبي “غاب القط، العب يا فار”!!
يا ليتهم أتعبوه وأشبعوه نقدا وانتقادا وهو حي، ويا ليتهم قدموا فيه الدراسات الرصينة العلمية المحكمة، وليس مجرد تقولات يُتاح لها أن تنشر، لأنهم فقط من يملكون مفاتيح النشر في صحف ومواقع تملكوها وحجبوا حروفا وأسماء لا شك بأنها ستضيف جديدا لو سمح لها بأن تبرز، ولكن الضعيف إذا استقوى خاف من كل ضعيف، فكيف إذا كان الطارق بابهم قويا! سيصدونه ويشبعونه إهمالا، إنها مصيبة الثقافة العربية المعاصرة والعقلية العربية التي لا تحيا إلا رجعا عقيما لصدى الدكتاتوريات السياسية!!
لن أدافع عنك يا درويش، بل سأترك ما قلته يدافع عنك فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما يشعّ من أصيل الشعر سيظل خالدا أبد الدهر، فالشمس لم ولن تحْجب بالغربال، ولو حاول الواهمون ذلك، فارقد بسلام… وعلى روحك من أرواحنا وأمانينا ألف تحية وسلام!!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة