تخفيض اسعار الموت


الرابط : اراء حرة :
امديرس القادري – فلسطين المحتله :
رفع الأسعار ، أو تخفيض سعر صرف الدينار ، هذه هي الهدية و العيدية التي اختار رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور تقديمها لمختلف شرائح الشعب و نحن نستعد لإستقبال عيد الأضحى المبارك ، الهدية وحسب آراء العديد من المحللين والمراقبين خلقت حالة من ” الهلع والقلق لدى الأردنيين بمختلف شرائحهم الإقتصادية والإجتماعية ” ، هذا ما خطه قلم السيدة جمانة غنيمات التي تشغل موقع رئيس التحرير المسؤول في صحيفة ” الغد ” وذلك في مقالها الصادر يوم الأحد الموافق 21 من شهر تشرين الأول الجاري .
في ذات العدد من الصحيفة ، وفي صفحة الوفيات نطالع فنجد مربع إعلاني كبير يتضمن تقديم 40 % خصم على إعلانات النعي ، وبالعموم فإن أية إعلانات عن تخفيضات أو حسومات أو تنزيلات هي في حد ذاتها فرصة للمستهلكين ، وقد لا تعوض إذا لم يتم الإستفادة منها وإستغلالها في وقتها المحدد لها ، هذا ما يحدث غالبا مع الكثير من أصناف البضائع الإستهلاكية التي لا يمكن للناس الإستغناء عنها ، ولكن كيف يمكن الإستفادة من تخفيضات على إعلانات النعي يا ترى ؟.
تخفيض أسعار النعي بحاجة إلى أموات ووفيات ، حتى يستطيع القادرين على وضع هذه الإعلانات الإستفادة من هذه الخصومات ، فالموت في هذه الحالة هو البضاعة ، والتي بدونها لن تكون هنالك إعلانات أو تخفيضات ، بطريقة أخرى يمكن القول أنها دعوة للموت لتحقيق الإستفادة من العرض المفتوح الذي تقدمه الصحيفة ، وبالعامية يمكن لنا أن نقول : ” إنتو بس موتوا وما عليكم ، فالأسعار المنخفضة لبيانات نعيكم في إنتظاركم ” !
الحكومة الحالية ، تعرض رفع الأسعار وإشعال النار ، وهذه حالة اعتدنا عليها خلال السنوات القليلة الماضية من الحكومات المتعاقبة ، ولم تتجاوز ردود الأفعال منا نحن جمهور المواطنين ما هو أكثر من العض على الشفاة ، والصبر ، ومواصلة البحث عن سبل إستمرار الحياة بالمزيد من التدبير ، وإعادة البرمجة والجدولة ، والتقنين ومحاولة الإستغناء عن بعض ما لا يلزم وما هو غير ضروري ، حتى وصل إلينا قطار هذا الربيع العربي والذي دخلت معه البلاد ومنذ قرابة العامين في مرحلة ما بات يعرف بالحراك الأردني .
قبل الحراك ، كنا أقرب إلى السكون منه إلى الحركة ، والسكون بطبيعة الحال هو ما كان يسود في غالبية الأقطار العربية وليس في الأردن فقط ، وهي الحالة التي كانت تعشقها و تتلذذ بها القيادات وحكوماتها وأجهزتها و مؤسساتها ، والتي ومن خلالها فقط كانت تستطيع مواصلة العيش على بساط الحرير وريش النعام ، وهذا ما كان يدفعها للتمسك بكل ما يؤدي إلى بسط وفرض ظروف ومناخات الإستبداد والإستعباد والقهر والظلم بحق شعوبها ، فالسجون مفتوحة على مدارالساعة ، والهراوات مسلطة على الرؤوس لكل من يفكر بالخروج أو التمرد على هذا الحال التي ما كانت الحيوانات تطيق العيش معها .
هبط الربيع ، وعلت صافرة قطاره ، وها هي الصورة ماثلة أمامنا بكل تفاصيلها ، وأسوة بباقي العواصم إنقلب السكون الأردني إلى حركة ، والمثل الشعبي يقول ” إن في  الحركة بركة ” ، والبركة ، هو ما يبحث عنه الشعب ، وعلى الأخص تلك الطبقات والشرائح المسحوقة والمغلوبة على أمرها ، والتي باتت تؤمن بأن قطار الربيع والحركة سيحملان لها الرخاء والتغيير ، والحرية والديمقراطية ، ودولة النظام والقانون الذي يفترض أن يطبق على جميع الأجساد والرؤوس ، فالقانون العادل لا يعترف بكبير أو صغير لأن الكل سواسية في الحقوق والواجبات .
في الأردن ، وبعد عامين من الحركة والحراك ، لا زالت البركة على الطريق ولم تصل بعد ، وما تحقق منها حتى اللحظة لا يزال دون رغبات وأمنيات وطموح المتحركين ، وبالتالي ، فما عليهم سوى مواصلة الحركة وعدم التوقف ، فالنتائج التي يرنو إليها جمهور المتحركين في حاجة ماسة إلى شد براغي أدوات الحركة وتقوية جميع مفاصلها ، الأدوات وبكل مشاربها من الأحزاب ، والنقابات ، والمؤسسات الشعبية ، والأفراد والشخصيات المستقلة لا زالت بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود على صعيد الإرتقاء بوضعها الذاتي الداخلي ، وبالبرامج ، والسياسات ، والمواقف التي لا بد و أن تجتمع الأغلبية حولها ، كل ذلك وإن توفر ، سيدفع بالإرتقاء الأكثر إلى مستوى مسؤولية المناداة و المطالبة بالإصلاح والتغيير ،وهما الهدف الذي ينشده الجميع .
لقد دللت تجربة العامين المنصرمين على ان الحكومات التي تعاقبت خلالهما ترفض وبشدة تقديم أصغر ” البركات ” التي ينادي ويطالب بها جمهور المتحركين ، وها هي الحكومة الحالية تفتح عهدها بالتلويح برفع الأسعار وإشعال المزيد من النار التي ستكوي الأكتاف أكثر وتحرق ما تبقي في الصدور ، وهذا قد يدفع بشبح الموت لكي يقترب و يخبط أكثر فأكثر لأن ينبوع الصبر سينضب ، والقدرة على التحمل ستنهار، وهذه هى أفضل الظروف لكل أنواع وأشكال الموت ، الجسدي والمعنوي ، والسياسي والإقتصادي ، والإجتماعي والمعيشي ، بالمقابل ، فهذا وإن حصل لا سمح الله ، فسوف يكون السبيل الوحيد لكي تنتعش سوق إعلانات النعي ، و ” النظرة الإعلامية الثاقبة ” عند بعض الوسائل هي التي دفعتهم لإستباق الوقت ، وعرض التخفيضات والخصومات التي إستدعت كتابة هذه السطور، وكل عام والجميع بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك وعلى أمل أن نلقاكم بعد عطلة هذا العيد نستودعكم الله !!
د.امديرس القادري

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة