السجن في الوطن ولا الحرية في المنفى


الرابط : اراء حرة :
تميم منصور – فلسطين المحتله :
تناولت صحيفة ” يديعوت آحرونوت ” في أحد أعدادها من الأسبوع الفائت موضوع الانتخابات التي باتت تقف على عتبة الحياة السياسية في إسرائيل ، إما لتجديد بطاقات لاعبين مارسوا اللعب فوق مسرح الكنيست السياسي ، أو لاختيار لاعبين جدد يحافظون على الخطاب اليميني المتطرف لأكثر برلمانات العالم عنصرية ، في كل الحالات فأن تغيير أسماء أعضاء الكنيست داخل الأحزاب الصهيونية وتغيير الحقائب الوزارية يشبه تغيير ملابس الممثلين بين فصول المسرحية ، لكن يبقى النص ثابتاً لا يتغير .
أشارت هذه الصحيفة في العدد المذكور إلى العديد من المسلمات التي تفرضها هذه الانتخابات، من ضمن هذه المسلمات :
تعامل المواطنين العرب مع كل انتخابات برلمانية بفتور وعدم اكتراث قياساً للمواطنين اليهود، على ذمة هذه  الصحيفة فان الانتخابات بالنسبة لغالبية المواطنين العرب تعتبر شيئاًً عابراً روتينياً سواء تقدم موعدها أو تأخر ، النتائج بالنسبة لهم خاصة بعد هيمنة اليمين على السلطة وحده لا تغير شيئا في إستراتيجية الحكم ، عدد أعضاء الكنيست الذين يمثلونهم يدورون في دائرة عددية واحدة تقريباً ، مكانهم الطبيعي المعارضة .
ما تجاهلته هذه الصحيفة التحريضية هو أن هذا العدد من أعضاء الكنيست العرب من خارج الأحزاب الصهيونية كالأشواك في خاصرة وحلق رموز اليمين الفاشي سواءاً كانوا من الحرديم أو من داخل صفوف اليمين العلماني المتطرف .
لهذا السبب وغيره من الأسباب فأنني كنت ولا زلت من رهط أولئك الذين يؤمنوا بأنه من حق ومن واجب المواطنين العرب في إسرائيل المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي تجري بين الحين والآخر ، ربما هذا الموقف لا ينسجم مع موقف نوعين من المواطنين العرب في الداخل وفي الخارج ، في الداخل هناك من يتبنى خيار المقاطعة:  إما من باب الغياب الذهني والثقافة السياسية السطحية وعدم تقدير معنى وأهمية الانتخابات ، وإما من منطلق أن باب المشاركة في هذه الانتخابات يزيد ويعمق الأسرلة عند الجانب الذي يقف ضد المقاطعة .
أن هؤلاء لا يرون سوى نصف الكأس الفارغة ، أما النصف المليء الذي يتعمدون عن قصد عدم رؤيته وتجاهله ، فهو ذلك النصف الذي يحمل الهوية والأداة التي يتحركون بواسطتها ويدقون أبواب العمل بمساعدتها ، ويدخلون المعاهد العليا بفضلها وجميعها إسرائيليه ( قح ) .
لماذا لا يمتنع هؤلاء عن سياقة مركباتهم التي تحمل لوحات ترقيمها العلم المفروض قهرا ؟؟ . ما رأيهم بمستحقات الشيخوخة و مخصصات الأطفال والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة ؟ هل تأتي هذه المخصصات من الأمم المتحدة أم من جامعة الدول العربية ؟؟ . إنها ليست هبات مجانية هي جزء لا يتجزأ من حقنا في هذه المواطنة التي  فرضت علينا .
أما النوع الثاني من المواطنين الذين يطالبون من عرب الداخل خلع ثوب المواطنة كلياً ، غالبية هؤلاء من مواطني الأقطار العربية الذين اكتشفوا صدفة انه بقي في فلسطين الانتدابية بعد النكبة وقبل ان تضيع إسرائيل مواطنين فلسطينيين ، لم يخطر ببال هذا الفريق ما عاناه هؤلاء أثناء رحلة الضياع في صحراء الإهمال والنسيان والجهل والخيانة الذي سببه لهم قادة الأنظمة العربية عند التوقيع على اتفاقيات الهدنة سنة 1949 ، لقد تركونا حفاة عراه بأيدي العصابات الصهيونية كي تنكل بنا كيفما تشاء .
لقد وجهت سؤالاً إلى طالب جامعي سعودي في مكة وهي عقر- دار المسلمين –  هل درست في مرحلة من المراحل موضوع الصراع العربي الإسرائيلي ؟ فغر فاه وتشنج وجهه قبل أن يقول كلا ، وسألته : هل تعرف اليوم انه يوجد عرب فلسطينيون يعيشون داخل إسرائيل ؟ أجاب قبل أن يهرب ( هذه كيف تيجي ) .
اختلط هذا الجهل والتعتيم مع حالة العداء التلقائية لإسرائيل ، فأضاع الحقيقة والمنطق وجعل هؤلاء لا يميزون بين عربي فلسطيني بقي في وطنه وبين بقية المواطنين في الدولة ، حتى وصل الأمر إلى اعتبار حقنا في المواطنة نوعاً من الخيانة والانحلال القومي والتنازل عن الهوية ، أليس هذا هو الجهل بعينه ؟؟ .
في رأيي أن المواطنة والهوية لا تتناقضان مع الانتماء القومي ، وستبقى هذه المواطنة أداة للتواصل المتجذر الدائم بين المواطن العربي وتراب وطنه ، هذه المواطنة هي لسان حال وأداة تزيد من قوة التحدي لسياسة هذه الدولة العنصرية ، كما أنها قوة للتلاحم مع أبناء الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده ، أن البديل لهذه المواطنة هو ترك الوطن واللحاق بإخواننا الفلسطينيين الذين ما زالوا عالقين على حدود الآخرين ، نريد أن نذكر هؤلاء بأنه منذ النكبة والشعب الفلسطيني يمشي ، لكن أيامه لا تنته وفجره لا يطلع وقد قيل السجن في الوطن ولا الحرية في المنفى .
أن مشاركة المواطنين العرب في تحديد معالم خارطة الدولة البرلمانية فوق هذا المنبر هو انتصار لقضايانا المختلفة وشهادة بأننا لا نستسلم لسياسة التمييز القومي .
الكنيست في إسرائيل هي الرئة التي تستخدمها عناصر اليمين الفاشي لنفث سمومها ، سواء كان الأمر بالتحريض المباشر ضد المواطنين العرب ، أو من خلال المحاولات المستمرة لاستصدار قوانين عنصرية جديدة ، إلا أن وقوف أعضاء عرب من خارج الأحزاب الصهيونية فوق هذا المنبر يساهم كثيراً في تعرية سياسة الحكومات الصهيونية المتعاقبة ويفضح الجرائم التي ترتكبها هذه الحكومات بحق المواطنين العرب في الداخل وضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة أو حتى وراء الحدود .
لقد ساهم أعضاء الكنيست العرب في فضح والكشف عن العديد من المجازر التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية ، في مقدمة هذه المجازر مجزرة كفر قاسم ، فقد كان الفضل في الكشف عن هذه الجريمة للمرحوم توفيق طوبي ، وهو أول من ابلغ وسائل الأعلام بهذه الجريمة ومنع السلطات الإسرائيلية من التستر عليها والتنكر لجريمتها النكراء .

من بين المسلمات التي أفرزتها الانتخابات في إسرائيل منذ قيام الدولة حتى اليوم ، إقامة ائتلافات حكومية ذات إجماع صهيوني واحد ، هذا الإجماع يدور حول محور واحد وهو : تقديس الفوقية الأتنية ، اعتماد مبدأ القتل وسفك الدماء وارتكاب المجازر هدفاً لتحقيق كل الأحلام الصهيونية في التوسع والسيطرة ونهب أملاك الآخرين ، تجاهل كل حق فلسطيني بالحياة الكريمة والرفض التام بحقه بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ، الاستمرار بسياسة التمييز العنصري ضد المواطنين العرب داخل الخط الأخضر .
هذه مسلمات وثوابت انتظرت كل الحكومات السابقة ، وتنتظر كل حكومة قادمة سواء ترأسها نتنياهو ، أو أولمرت أو موفاز أو شيلي . جميعهم تخرجوا من مدرسة صهيونية واحده ، رضعوا من ثديها حتى الثمالة . جميعهم الجيل المكمل والاستمراري للأجيال التي سبقتهم في الحكم ، مثل بن غوريون ، وغولدا مئير ، واسحاق رابين ومناحيم بيغن وموشه شمير وارئيل شارون وغيرهم.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة