فتح مكه (6)

الرابط : كتابات ومواد دينية :
الدكتور عثمان قدري مكانسي – كاتب سوري مقيم في الاردن :
إسلام أبي سفيان بن حرب على يد العباس بن عبدالمطلب ‏:‏
( فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، قال العباس بن عبدالمطلب ‏: واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر ‏.‏
‏ فجلس ( العباس ) على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، فخرجَ عليها حتى جاءَ الأراك (موضِعٌ قُربَ نَمِرَةَ وقيل هو مِنْ مواقِفِ عَرَفَةَ بعضُه من جهةِ الشّامِ وبعضُه من جهةِ اليَمَنِ) ، فقال ‏:‏ لعلِّي أجد بعض الحطّابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة ، فيخبرَهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة ‏.‏
قال ‏:‏ فوالله إني لأسير عليها ، وألتمس ما خرجت له ، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء ، وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول ‏:‏ ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً ،‏ فيقول بديل ‏:‏ هذه والله خزاعة حمشتها الحربُ ‏.‏ فيقول أبو سفيان ‏:‏ خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها ‏.‏
قال العباسُ ‏:‏ فعرفت صوته ، فقلت ‏:‏ يا أبا حنظلة ، فعرف صوتي ، فقال ‏:‏ أبو الفضل ‏؟‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ نعم ، قال ‏:‏ ما لك ‏؟‏ فداك أبي وأمي ، قال ‏:‏ قلت ‏:‏ ويحك يا أبا سفيان ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، واصباح قريش والله ، قال ‏:‏ فما الحيلة ‏؟‏ فداك أبي وأمي ، قال ‏:‏ قلت ‏:‏ والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك ؛ قال ‏:‏ فركب خلفي ورجع صاحبُه ‏.‏
قال ‏:‏ فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين ، قالوا ‏:‏ من هذا ‏؟‏ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها ، قالوا ‏:‏ عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته ‏.‏
حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال ‏:‏ من هذا ‏؟‏ وقام إلي ؛ فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة ، قال ‏:‏ أبا سفيان عدو الله ‏!‏ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وركضْتُ البغلة ، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء ‏.‏ فاقتحمت عن البغلة ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل عليه عمر ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، هذا أبو سفيان أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني فلأضرب عنقه ‏.‏
‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله ، إني قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذت برأسه ، فقلت ‏:‏ والله لا يناجيه الليلة دوني رجل ؛ فلما أكثر عمر في شأنه قلت ‏:‏ مهلاً يا عمر ، فوالله أن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف ؛ فقال ‏:‏ مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامُك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم ‏.‏
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحتَ فأتني به ؛ قال ‏:‏ فذهبت به إلى رحلي ، فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏:‏ ويحك يا أبا سفيان ‏!‏ ألم يأنِ لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ‏؟‏
قال ‏:‏ بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ‏!‏ والله قد ظننت أن لو كان مع الله إلهٌ غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد ، قال ‏:‏ ويحك يا أبا سفيان ‏!‏ ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ‏؟‏ قال ‏:‏ بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ‏!‏ أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً ‏.‏
فقال له العباس ‏:‏ ويحك ‏!‏ أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك ‏.‏ قال ‏:‏ فشهد شهادة الحق ، فأسلم ‏.‏
قال العباس ‏:‏ يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر ، فاجعل له شيئاً ، قال ‏:‏ نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ يا عباس ، أحبسه بمضيق الوادي عند خَطْم الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها ‏.‏
فخرج به فحبسه بمضيق الوادي ، حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحبسه ‏.‏
عرض الجيش على أبي سفيان ‏:‏
قال ‏:‏ ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال ‏:‏ يا عباس من هذه ‏؟‏ فأقول ‏:‏ سليم ، فيقول ‏:‏ ما لي ولسليم ، ثم تمر القبيلة فيقول ‏:‏ يا عباس ، من هؤلاء ‏؟‏ فأقول ‏:‏ مزينة ، فيقول ‏:‏ ما لي ولمزينة ، حتى نفذت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال ‏:‏ ما لي ولبني فلان ، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء ‏.‏ وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها ‏.‏فيها المهاجرون والأنصار ، رضي الله عنهم ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال ‏:‏ سبحان الله ‏:‏ يا عباس من هؤلاء ‏؟‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار قال ‏:‏ ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ؛ والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ، قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا أبا سفيان ، إنها النبوة ، قال ‏:‏ فنعم إذن ‏.‏
إضاءة:
1- ما كان للعباس رضي الله تعالى عنه أن يخرج خلاف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ودون إذنه ومعرفته ، فقد أذن له الرسول بذلك فركب بغلته  ، وانطلق يريد لقاء بعضٍ من أهل مكة يعلمون بخبر رسول الله وقد صار بينهم بجيشه وهم لا يدرون ، فيقبلون بالأمر الواقع فيأتون مستأمنين راغبين بالسلام ، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد لهم الهلاك وهو الرحيم ذو القلب العطوف .
2- عمّى رسول الله صلى الله عليهم أول الأمر قدومه كي لا يتجهزوا للقتال فهو – عليه الصلاة والسلام – يريد حقن الدماء والوصول إلى الهدف بأقل الخسائر من الطرفين ، كيف لا وهو القائل حين عرض عليه ملك الجبال ان يطبق عليهم الأخشبين : لا : اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون.
3- وما قول العباس ” واصباح قريش ” إلا تعبيراً عما يجول بخاطر المسلمين وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنهم يرغبون أن تفتح قريش سلماً يكون فيه للقرشيين – قوم النبيّ- العزة في الدخول في الإسلام طواعية وهذا شرف كبير لهم ، وأي شرف أعظم من أن تكون مسلماً تحفظ كرامتك وتكون من جنود الحق مدافعاً عنه داعياً إليه؟!.
4- يُعرف عدد الجيش في الليل من عدد النيران التي يوقدها ، ومن العادة أن توقد الجماعة من سبعة جنود إلى عشرة ناراً تُدفئها وتنير لها المكان  وعدد المسلمين عشرة آلاف إذ ذاك ، فلا غرو أن يوقد الناس ألف نار أو أكثر بقليل ، بيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين جميعاً أن يوقد كل ٌّ منهم ناراً ، وبهذا يلقي الرعب في قلوب الأعداء ، إذ يعتقدون أن عدد الجيش ينوف على حقيقته أضعافاً كثيرة . وهذه الحرب الإعلامية الناجحة إذ تخيف عدوك قبل أن تقاتله فيشل الخوفُ إرادته.
5- أمّا بُديل بن ورقاء،المسلم الذي يخفي حقيقة يعرفها فإنه – من بعيد وبحس المسلم الواعي – يوحي إلى أبي سفيان بن حرب أكثر من أمر يفتُّ بعزيمته :
أولها : أنّه يخفي معرفته بالقادمين ،
ثانيها : التعمية على الحقيقة فيتركها مبهمة تحيّر العدوّ .
ثالثها : الإيحاء إليه أنه ليس من الأعداء بل من الأصدقاء فيكون معه في إظهار تحرّي حقيقة الجيش ، بل يذكر خزاعة التي خمشتها الحرب فهي تريد الثأر .
كل هذه الأمور تجعل العدو في حالة يُرثى لها لا يدري ما يفعل .. والحقيقة أن قريشاً ضعفت وقادها بعد مقتل سادتها في بدر من لم يستطع ملء فراغهم – ابو سفيان بن حرب-  فتراه ضعيفاً مشتتاً كما حدث في غزوة السويق وغزوة الخندق وتقصفه في المدينة حين أراد أن يرتق فتق بني بكر فكان ما كان من موقف ضعيف لا يُحسد عليه.
6- موقف الضعيف – أبي سفيان بن حرب- يظهر فور لقاء العباس به في الليل يعرض عليه أن يذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأمنه ، وليس له غير ذلك ، فالجيش الجرار على مشارف مكة ، وأهلها لا يدرون ما يفعل بهم ، إنه موقف خطير يستدعي الإقرار بالواقع والعملَ بما يناسب . ولو أنه عاد إلى مكة لم يستطع أن يفعل شيئاً ولصبحهم الجيش يستبيحهم أويستأصل شأفتهم. هذا ما ينبغي أن يفعله القائد ليخفف من حجم الخسائر.
7- الحرب النفسية حين يحسن صاحبها استخدامها ينتصر قبل أن يبدأ معركته، فهذا العباس يصرخ في وجه أبي سفيان يخوفه من مصير مرعب : “ويحك يا أبا سفيان ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، واصباح قريش والله ” ثلاث جمل فيها الوعيد والتخويف تجعل الضعيف يُبلس ، فترى ردّ أبي سفيان الضارع السريع:” فما الحيلة ‏؟‏ فداك أبي وأمي ”  يسأله عما يمكن أن يفعل ، ويفديه بأبيه وأمه. فينثني عليه العباس مُخوّفاً أن يقتله رسولُ الله إن لم يبادر إليه فوراً ” والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك” ولا يتركه يفكر بل يعرض عليه ان يحمله إلى رسول الله ” فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم” ولماذا يأخذه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليُفاوضه؟ انتهى وقت المفاوضات. وما عاد ذاك الندَّ الذي يُفاوض ، إنه يبحث عن الأمان والسلامة بذلة وخضوع” فاستأمنه لك “.  وهو الآن يبحث عن مخرج لنفسه وامان لها وحده . ما عاد منذ الآن يمثّل أحداً سوى نفسه.
8- والملاحظ أن دور بُديل بن ورقاء انتهى حين وصل العباس رضي الله عنه وبدأ حديثه مع أبي سفيان. فما كان بُديلٌ طرفاً إنما كان وسيلة جمعت العباس بأبي سفيان ، يقول العباس رضي الله عنه :” فركب أبو سفيان- خلفي ورجع صاحبُه ‏.‏ ولقد أبلى الجندي الخفيّ ( بُديل ابن ورقاء) دوره فأحسن أداءه .
9- من الحرب النفسية كذلك أن يرى العدو المنهزم قوة المسلمين فيذعن للأمر ويستكين ، وهذا ما كان حين مر به العباس على نيران المسلمين المتيقظين المستعدين للمعركة العارفين بهدفهم على عكس ما كان عليه أهل مكة المتخبطين لا يدرون ماالله صانع بهم.
10-الناس في استقبال الأمور نوعان : الأول جندي يعلم أن عليه إطاعة الامر وتنفيذ المهمة ، لا يهتم بأكثر من هذا ، ونحن نرى المسلمين يمر عليهم العباس رضي الله عنه راكباً بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفسحون له الطريق غير عابئين بمن أردفه خلفه .أما النوع الثاني ( القائد) فيمثله الفاروق – رضي الله عنه – إذ يرى أبا سفيان حين قدم المدينة يريد شد عقد الحديبية وزيادة المدة سياسياً معصوم الدم يمثل طرفاً ، أما الآن وهو خلف العباس ينشد الأمان لنفسه ، قد أصبح عاطلاً عن الحصانة مهدورَ الدم فلْينل منه ، فلطالما أثخن في المسلمين . ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يضرب عنقه جزاءً وفاقاً .
11-إن المسلم حين يخالط الإيمان قلبه يرى أخاه في الإسلام أقرب إليه من أبيه وأمه غير المسلمين، أو يرى الصالح من إخوانه أفضل وأحق بالرعاية من أقربائه البعيدين عن آداب الإسلام هذا ما ينبغي أن يكون عليه المسلم ، وإنني لأقف موقف الحب والتعظيم أمام عملاق الإسلام عمر رضي الله عنه إذ يطلب العباس من رسول الله أن يبعد عمر عن أبي سفيان فلما ألح عمر على الاقتصاص منه نرى العباس يعاتب عمر : (مهلاً يا عمر ، فوالله أنْ لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف). أماعمر الذي تربى في مدرسة الإسلام ، فلم يكن ما قاله العباس فيه صحيحاً وتراه يرد على عم الرسول صلى الله عليه وسلم بأدب جم يدل على عميق إيمانه وتعظيم الرسول صلى الله عليه وآله : (مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامُك يوم أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم ‏.)‏
12- من أساليب التربية ( الإعراض ) قد يتساءل أحدنا : كيف يكون الإعراض أسلوباً تربوياً وهو إلى الإهمال أقرب؟! إن أبا سفيان لما جاء إلى المدينة والتقى النبي صلى الله عليه وسلم لم يكلمه النبي ولم يجبه ، فكان الإعراض أعظم جواب أوحى للطرف الثاني مراده دون أن يكلمه ، وهنا في هذه الليلة يتكلم العباس وعمر رضي الله عنهما في أمر أبي سفيان بحضوره وبمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يأمر النبي عمه أن ينطلق بأبي سفيان دون أن يكلمه . وهذا يزرع الخوف في نفسه ويهيئه أن يتطامن وأن يتصاغر حين يلقاه في الصباح. وقد عُرف عن أبي سفيان تعاظمه وتكبره . إن مثل هذين الموقفين يحجّم من غلواء المستكبر ، ويجعله منكمشاً ، والتكبرُ على المتكبّر تواضع.
13- وأثمر هذا الأسلوب حين عاد العباس صباحاً بأبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ” قال ‏:‏ ويحك يا أبا سفيان ‏!‏ ألم يأنِ لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ‏؟‏ قسَم رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادة إلى قسمين والاصل أن يًذكرا معاً لأنه الإسلام الخالص، ولكن ( التدرّج في الدعوة ) أدعى إلى القبول . لقد آن – والله-  فقد مرّ على إباء أبي سفيان دعوةَ التوحيدَ قرابةُ واحد وعشرين عاماً رفضها وحاربها وصدّ عنها بكل ما أوتي من عنفوان وقوة. فيجيب جواب الحائر المتخوّف المنكسر ” والله قد ظننت أن لو كان مع الله إلهٌ غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد” ثم يفجؤه الرسول صلى الله عليه وسلم بالقِسم الثاني من الشهادة” ويحك يا أبا سفيان ‏!‏ ألم يأنِ لك أن تعلم أني رسول الله ‏؟‏ إنّ ما كان يدفع أبا سفيان عن الإسلام الزعامةُ التي سيفقدها إن أقر بنبوّة محمد ، فيعلن عنها بأسلوب اللف والمماراة ”  أمّا هذه – والله-  فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً ‏.‏ إذاً هي النفس الأمارة بالسوء التي تأبى ما لا يروق لها.
14- وهناك أسلوب تربوي آخر يلجأ إليه أبو سفيان يخفف بها غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حين يسبق جوابَه ذاك الاستعطافُ والاسترحام ( بأبي أنت وأمي .. ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ‏!‏) يذكر حلم النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه وحسن صلته بأرحامه.. إن التقرب والاستعطاف والاسترحام  يهدّئ النفوس ويستل السخيمة.
15- إن فرْضَ الإيمان في الإسلام غير مقبول ، إنّ أمر العباس أبا سفيان ان يُسلم قبل ان تُضرب عنقه غير وارد في أدبيات الإسلام ، لكنّه الموقف الذي يستدعي أن يكون مع غيره من المواقف ليثبت في روع أبي سفيان أن يحمل رسالة الاستسلام إلى قريش ، وهذا ما كان حين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطّلع أبو سفيان على العرض العسكري المهيب فيهتز قلبه فرَقاً ويحمل الرسالة كاملة ، فقد حبسه العباس في خطْمِ الوادي ليرى جنود الله تترى وهويقول : لقد أصبح ملك ابن اخيك عظيماً .والعباس يصحح له:  (إنها النبوّة) حتى يُقِرّ بها. ويقول : نعم.
16- معرفة النفوس جيداً يساعد على كسبها ، هذا أبو سفيان يحب الفخر فلْيحظَ ببعضه دون ممالأة : (من دخل دار أبي سفيان فهو آمِنٌ ) ولا تتسع دارُه لقريش ربعِها ولا خمُسِها ، ولا عُشرِها ، “لكنه نادى بها أوّل ما نادى” ثم قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن. وظل يذكرها ويفاخر بها وقادته إلى الجهاد في سبيل الله ،حتى إنه فقد إحدى عينيه في معركة اليرموك ، وكان وزيرَ إعلامها يقرأ سورة الأنفال فيها ويطوف بها بين المقاتلين. ..

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة