نساء على الفيس بوك

الرابط : القصة :
للكاتب  :إدوارد فيلبس جرجس      – نيوجرسي
بشر غريب ، عالم غريب ، نفوس عجيبة ، سلوكيات مثيرة للدهشة ، الدنيا أصبحت خليطاً من الغرابة والعجب والدهشة وبعض الحقيقة ، دعونا نتجول داخل قطرة واحدة من محيط هذه الحياة وأمواجه المتلاطمة ، ودواماته الغريقة .
في صفحة الحوادث في إحدى الجرائد الرسمية ، تحت عنوان مقتل موظف كبير بأحد البنوك في ظروف غامضة ، بدأت القصة عندما أبلغت زوجته ( س . ن ) عن تغيبه عن المنزل منذ عدة أيام ، وفي نفس الوقت وصل بلاغ إلى الشرطة من سكان إحدى العمارات بأن رائحة كريهة تنبعث من إحدى الشقق التي تؤجر مفروشة ، وعند تم كسر باب الشقة وُجِدَ ” ياسر الشامي ” مقتولاً مع عشيقته  بإطلاق الرصاص عليهما من مسدس مركب عليه كاتماً للصوت ، وتعرفت زوجته على الجثة ولم تبد أية تعليقات على وجود العشيقة معه ، وكما نقرأ دائماً ، أن الشرطة تكثف من مجهوداتها للوصول إلى مرتكب الجريمة .            الجرائم لا تتوقف ، متنوعة وعجيبة ، جريمة أخرى  تقول أن موظفاً كبير بإحدى الوزارات قُتل بيد زوجته التي كانت تعمل خادمة لديه وفضلها على زوجته الأولى ( ل . ع ) وتزوج بها ، واعترفت الخادمة بأن لها شريك شاب قابلته صدفة في إحدى المحال التجارية ، تعرف عليها وأوهمها بحبه وأنه على استعداد للزواج منها لو تخلصت من زوجها ، وقررت بالفعل التخلص من الزوج بعد أن إنطفأ بريق إغرائها الذي كان سبباً في زواج مخدومها منها وأصبح يعايرها بوقاحة بأنها لا تعدو خادمة ، وبأنه سيطلقها ليتزوج من سيدة محترمة ، والغريب أنها فشلت تماماً أن تُدلي بأي أوصاف أو معلومات عن الشاب التي ادعت أنه شريكها ، وسواء نجحت أو فشلت ، حبل المشنقة ليس ببعيد عن عنقها  .               .
وأيضاً نشرت أكثر من جريدة خبر مقتل  المواطن ” مجدي حنا ” وأن أصابع الإتهام تشير إلى أن القاتل رجل دين ” قس ” . قال حارس العقار الذي يقطن المجنى إحدى شققه ، أنه كان يحيط نفسه بالعزلة ولم يكن يزره أحد ، يقيم بمفرده بعد أن هجرته زوجته ( ت . د ) لتقيم في بيت أسرتها ، بعد نشوب خلافات بينهما ، وأكد حارس العقار أن الزوجة لم تهجر زوجها سوى منذ فترة قصيرة قبل وقوع الجريمة ، وأنه في يوم الجريمة لم يصعد إلى شقة المجني عليه سوى هذا ” القس ” ولم يبد الحارس اهتماماً واعتقد أن رجل الدين أتى ليصلح بينه وبين زوجته ، والغريب في الأمر أن حارس العقار أكد أنه لم يشاهد القس عندما انصرف بالرغم من ملازمته لباب العقار حتى ساعة متأخرة من الليل ، لم تنته التحقيقات إلى شيء ، ولم يتم التوصل إلى شخصية ” القس ” حيث أكد الحارس أنها المرة الأولى التي يشاهد فيها رجل دين يقوم بزيارته ، توقف التحقيق وقيدت الجريمة ضد مجهول ، بعد أن باءت كل المحاولات بالفشل للإستدلال على القس الذي شاهده حارس العقار  .
أما الجريمةالتي وقعت أحداثها  في الصعيد وهي مقتل رجل أعمال ، التحقيقات الأولية أفادت بأن الجريمة تمت بغرض السرقة ، فلقد تم اكتشاف سرقة عدة ملايين من الجنيهات إلى جانب كمية كبيرة من المشغولات الذهبية والماسية ، الجريمة يحيطها الغموض ولم توجه زوجته الثانية التي تمت له بصلة قرابة الإتهام لأحد وأدلت زوجته الأولى ” ر . ح ” بأن أخباره انقطعت منذ طلاقها منه وانتقاله للإقامة بمسقط رأسه بإحدى مدن الصعيد ، وأيضاً قيدت الجريمة ضد مجهول .
ثلاث جرائم لم يستدل فيها على المجرم والرابعة وجه الإتهام نحو الخادمة التي اعترفت بأن لها شريك ، لكن لم تستطع الإفادة بأية معلومات تمكن الشرطة من الوصول والقبض عليه ،  ، وكانت العقوبة من نصيبها لوحدها .
********
في نادي ” ……. ” الشهير تقابلت السيدات ( س ، ن) ، ( ل ، ع ) ، ( ت ، د .) ، ( ر . ؛  ح ) .  الزوجات اللاتي أُشير إلى الأحرف الأولى من أسمائهن في حوادث مقتل أزواجهن في الجرائم المدونة بعاليه . نظرة من الدهشة الممتزجة بالخوف ولا مانع أن نصرح بأنه يظللها بعض الإرتياح ، وسؤال ينطق به لسان كل واحدة منهن في صمت ، من الذي قتل أزواجهن ، وكيف وقعت هذه الجرائم متتالية ، لم يتوقعن أن الكلمات التي عبرت عن كرههن لهؤلاء الأزواج وتمنياتهن التي لم تخرج عن حدود المزاح يمكن أن تتحول إلى حقيقة ، وتسوق عزرائيل ليقبض أرواحهم بهذا الأسلوب وبهذه السرعة ، وكأنه قرر أن يؤدي لهن خدمة مجانية . أحداث غريبة أوقعتهن في حيرة ، وعلقت ( ت .د ) قائلة أنه لا شماتة في الموت لكن زوجها ( مجدي حنا ) يستحق هذا العقاب بجدارة ، أما (  ل . ع ) فقالت أن الجزاء من جنس العمل ، وبدا على وجه ( س . ن ) الغموض الممزوج با بتسامة بريئة لا تنبئ عن شئ  ، ولم تعلق بشئ ، لكن ملامحها وشت بأن لديها ما تخفيه عن باقي رفيقاتها ولا تريد أن تفصح عنه ، أما ( ر. ح ) قالت وهي تطلق نفساً عميقاً يعلن عن ارتياحها : يُمهل ولا يهمل ، وكل ظالم وله يوم .
التعارف بين السيدات الأربع بدأ من خلال رسائلهن على الفيس بوك ، لم تكن لهن سابق معرفة ، الرسائل جمعت بينهن ، رسائل كانت تعبر عن أوجاع ومصيبة كل واحدة منهن ، وكما يقولون أن أكثر الأشياء التي تجمع البشر هي الإشتراك في الألم ، وبناء على دعوة من ( س . ن ) انتقل التعارف من على الفيس بوك إلى اجتماعات أسبوعية في هذا النادي الشهير . ودعونا نستعرض الرسائل التي جمعت بينهن على الفيس بوك والتي كانت سبباً في هذه اللقاءات  .
********
مشكلتي  إنني أخلصت لدرجة العبادة لزوجي ، أحببته وكنت لا أرى غيره في عالم الرجال ، لم أظن مطلقاً أن الخيانة يمكن أن تشابه  الفايروس يسير في الدم مختبئاً خلف شرايين مصنوعة من مادة صلبة ، لا تتمدد ولا تهتز ، كالأنبوب الذي يرسل الجاز إلى محرك السيارة  ليعمل ويرتفع صوت دقاته ، لكنها دقات لا تحمل المشاعر ولا الأحاسيس ، كصوت اصطكاك الحديد  ، كقلب زوجي الخائن ، الذي ينتقل من خيانة إلى أخرى ، وكأنها واجب لا بد منه ، أو كأنه يبصق على دقات قلبي التي كانت ترنم له تراتيل لم يفهمها ولم يقدرها ، انغمس في مستنقعات الرذيلة من كل صنف ولون ، فانقلب معبد الحب داخل قلبي ، إلى وكر للشيطان ، بل الشياطين ، تزين لأظافري حلاوة الإطباق على عنق هذا الخائن الأفاق ، ونشوة لا تضاهيها نشوة وأنا اتخيله وهو يرقد جثة هامدة أسفل قدمي ، هل أنا مجرمة إذا قلت أنها أصبحت أُمنية حياتي ، لا أعتقد ، أسأل ربما أجد إجابة تُطفئ النيران التي تتبادل الإشتعال بين عقلي وقلبي ( س . ن )  .
*******
الصديقة ” س . ن ” لقد قرأت مشكلتك وكنوع من التعزية أو كما يقول المثل العامي ” إللي يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته ” وأنا مصيبتي أكبر من مصيبتك ، ماذا يكون شعورك وإي مصيبة يمكن أن تداهم أحاسيسك وتحرقها كما النار ، وأي مقتل لكرامتك لو استيقظت ليلاً ووجدت زوجك يرقد في حضن الخادمة ، هذا ما حدث معي ، وهذه هي وجيعتي التي جعلتني أنقم على الرجال جميعاً ، وألعن اليوم الذي ربطني برباط الزوجية مع هذا الزوج الوضيع . شككت في الأمر عندما أصبح زوجي يُصر على احتسائي كوباً من اللبن كل يوم قبل النوم قائلاً بأنه مفيد ، لكن بعد أن تكرر إحساسي بثقل في رأسي بعد احتسائه والدخول في نوم ثقيل وكأنه الغيبوبة لليوم التالي راودتني الهواجس ، ذات ليلة غافلته وتخلصت من كوب اللبن وهو يظن أنني احتسيته ، تظاهرت بالنعاس ، لم تمض دقائق حتى انسل من جانبي ، انتظرت بعض الوقت ونهضت لأرى إلى أين ذهب ، ويالهول ما وقعت عليه عيناي ، زوجي يرقد في حضن الخادمة ، إنطلقت في صرخات هستيرية لم أملك أن أتحكم فيها ، قفز ليكمم فمي بيده ، وواجهني بكل وقاحة بأنه يحب الخادمة وأنه قرر الزواج منها ، لم يتوان ونفذ تهديده في اليوم التالي ، غادر المنزل وهي معه وتم زواجهما بالفعل ، تمادى في سفالته ورفض أن يطلقني إلا بعد أن أتنازل له عن كافة حقوقي ، بل وزاد عليها مبلغاً كبيراً ، لأنني ورثت عن أبي ثروة كبيرة كانت دائماً مطمعاً له ، هل رأيت يا سيدتي المهانة التي أعيش فيها ، وهل سمعت عن مثل وقاحة هذا الرجل الخائن الذي أذل كرامتي وزاد على ذلك برفضه لطلاقي إلا بعد أن دفعت ثمناً باهظاً من ثروتي للحصول عليه ، أعتقد أن مصيبتي أكبر من مصيبتك ، أليس كذلك ؟!!  ( ل . ع )
*******
صديقتاي ، إذا كنتما تحدثتما عن المصائب وأن بعض المصائب يهون أمامها مصائب الغير ، فأنا لست في مصيبة ، بل كارثة بالفعل ، كارثة أفقدتني آدميتي تماماً ، ومهانة تهون أمامها كل المهانات ، فلقد رضخت وقبلت العريس الذي فُرضَ علىَّ من أبي ، وتم الزواج وأنا غير موافقة عليه ، وغير مقتنعة بهذا العريس الذي رفضته شكلاً وموضوعاً ،   حاولت أن أتقبل الأمر الواقع وأتأقلم مع هذه الزيجة التي أُجبرت عليها ، أملاً في أن أجد فيه ولو بعض الصفات التي يمكن أن تقربني منه إلى حد ما ، لكن للأسف لم أجد فيه شيئاً من إنسانية الإنسان لا قولاً ولا فعلاً وزاد على ذلك بسلوكيات يحكمها البخل الشديد الذي تعافه النفس بالرغم من ثرائه ، يرى في الجنيه الذي لم يعد له قيمة رباً وإلهاً ولا تفوته صلاة أمامه ، وقلت في نفسي هذه مصيبتي التي يجب أن أعتاد عليها ، وقدري الذي فرض علىَّ عقاب لا أستحقه ، لم أكن أدري أني وقعت في براثن الشيطان إلا بعد أن داهمني بمصيبة أشد وأشرس بعد أسبوع واحد من الزواج ، زوجي الذي فُرضَ على َّ شاذ جنسياً ، أجبرني على أن يمارس الشذوذ معي ، لم أستطع مقاومة عنفه ، لم يثنه عن عنف شذوذه لا صرخات ولا رجاء  ولا مذلة وصلت إلى حد تقبيل قدمه كي يعفيني من ممارساته الشاذة ، أصبحت أتمنى الموت ، استطعت خلسة أن أوصل شكواي إلى أولي الأمر طالبة الطلاق منه ، لكن الأمر قوبل بالرفض ، لأني لم أستطع أن أثبت فعلته النكرة وعقيدتنا لا توافق على الطلاق إلا لعلة الزنا ، لم تكن أدلتي سوى الكلمات الشفوية ، التي قابلها بالإنكار وأنني أود التخلص منه لأنني أُجبرت على الزواج منه ، وأنه في حياتي شخص آخر ، الحياء منعني أن أثبت عليه أفعاله الوضيعة بطريقة عملية ، أعتقد أن أي واحدة منكما لم تتمنى الموت أمام مشكلتها كما أتمناه أنا وأبحث عنه بطريقة لا تغضب الله . ( ت . د )
********
جففت السيدة ( ر . ح ) دموعها وكأن مصيبتها اندمجت مع مصائب الأخريات فزفت قطرات ساخنة ساخطة ………
البقية في العدد القادم ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛
الأسماء التي وردت بالقصة لا علاقة لها بمن تشابهت أسماؤهم.
[email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة