من مذكرات معلم سابق (1) : مدير ليوم واحد

الرابط : فن وثقافة :
تميم منصور    – فلسطين المحتله :
هذا ليس لغزاً أو طرفة، بل هو حقيقة واضحة وضوح الشمس: لقد امتد عمر تعييني مديراً ليوم واحد، كيف حدث ذلك!
في مساء الثلاثين من شهر تموز من عام 1996، كانت عقارب هذا اليوم في السلم الزمني تشير إلى أن العطلة المدرسية الصيفية في حالة احتضار، وأنها تلفظ أنفاسها معلنة عن اقتراب السنة الدراسية الجديدة، والأجراس على أهبة الاستعداد للقرع.
كان وداع سنة دراسية قد مضت وإشعال شمعة ميلاد سنة جديدة بالنسبة لي روتينياً، عادياً، فكل شيء بقي على حاله داخل المدرسة وخارجها. الدواليب التي تحمل تفاصيل أيام العمل وساعاتها سوف تعود للدوران- كما كانت في السنة التي سبقتها. كمعلم تاريخ فان المادة الدراسية التي تفرضها المناهج لم تتغير أو تتجدد.. الفتوحات الإسلامية أصبحت في ذمة التاريخ، وانتصارات العرب في الإندلس كانت، والحروب الصليبية كانت، وشروق شمس الدولة العثمانية وغروبها كانت، والحضارة العربية بعلومها وآدابها وفلسفتها كانت ولم تعد، القضية الفلسطينية وتشرذم العرب على حاله لم يتغير. هدف الطلاب من حفظ هذه المواد وغيرها ليس من اجل بناء أبراج شاهقة من المعرفة، بل كي تكون جسراً عابراً يمرون من فوقه للحصول على شهادة المدرسة الثانوية، وتأشيرة الدخول إلى الجامعة.
في ذلك اليوم لم يكن شيء استثنائي يشغلني ويعكر مزاجي, سوى “ونونة” وزعيق ابنتي الصغيرة, التي أعلنت بانها ترفض الدوام في الروضة لسنة أخرى، لأنها تعتبرها “مظبة” وسجناً, فقررت أن تكسر القيود. وكعادتي كنت أحاول أن أضع أمامها كل الإغراءات, وقدمت الرشاوي كي تعدل من موقفها, ولكن دون جدوى..!
دق جرس الهاتف كما يدق كل مرة، وكان المتحدث عبر الهاتف احد معارفي المقربين. لم يكن الحديث يحمل نغمة اخذ الرأي والاستشارة, بل حمل طابع فرض الأمر الواقع. قال بكل بساطة: “اسمع يا أستاذ.. بحب أقلك بان رئيس المجلس في كفر قاسم ومعه عدد من الضيوف في طريقهم لزيارتك”. أبلغته بان لا علم لي بقدومهم. قال: “اعرف ذلك.. هم يريدون أن تكون زيارتهم لك مفاجئة”. سألته: “هل هم قادمون لطلب يد عروس؟! أنا لا يوجد عندي بنات في سن الزواج”. أجاب: “جاؤوا كي يطلبوا يدك, لأنك بالنسبة لهم أهم من كل العرايس.. بصراحة هم بحاجة إلى مدير لإدارة المدرسة الشاملة، ولم يجدوا أفضل منك لهذا المنصب”.
كانت علاقتي مع بلدة كفر قاسم مميزة, فقد ربطتني بالمئات من سكانها علاقات ودية وأخوية, لأنني قضيت من عمري خمسة عشر عاماً أعمل في مدارسها.
وصل رئيس المجلس المحلي ومرافقوه وكانوا جميعاً من طلابي. وبعد أن أخذوا قسطاً من الراحة, تخلله فتح أرشيفات الذكريات التي حوت النوادر الطلابية والمدرسية. والقصص والحكايات الطلابية, ووضعت المجاملات إلى جانب فناجين القهوة التي اتكأت على الصواني، توجه رئيس المجلس لي بأسلوب التودد المليء بالرجاء وقال: “أنت الوحيد يا أستاذ الذي يستطيع إنقاذ مدرستنا من الورطة التي أوقعنا بها مدير المدرسة الحالي. لقد قرر أن يتركنا ويهرب، والوقت بالنسبة لنا ضيق. جميعنا طلابك وأبناؤك، ونعتبرك علماً من أعلام بلدتنا، ونحن بحاجة إلى قدراتك للنهوض بهذه المدرسة”. حاولت التملص من الموضوع بوضع العراقيل التي تمنعني من قبول هذا المنصب. ومن بينها كوني ناشطاً سياسياً وعضوا في المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني. كما أبلغتهم بأنني إذا خيّرت بين الحزب وإدارة المدرسة، أختار الحزب دون تردد, لأن الحزب كان بالنسبة لي كل شيء، وقد ساهمت في تأسيسه. أيضاً أخبرتهم بأنني لا أستطيع التوقف عن كتابة مقالاتي السياسية الناقدة الحادة ضد سياسة إسرائيل الاحتلالية، وضد سياسة المحسوبية والعنصرية التي تتبعها وزارة المعارف.
هذا الموقف لم يثن رئيس المجلس ومرافقيه عن الاستمرار بالضغوط والإلحاح عليّ لقبول هذه المهمة، وقال: “نحن نعرفك ونعرف مواقفك السياسية وكتاباتك الدائمة، وهذا الشيء دفعني لقبولك واختيارك”. واجزم رئيس المجلس المحلي بأن باستطاعتي الاستمرار في الكتابة والنهج السياسي، فذكرتهم بأن “وزارة المعارف سوف ترفض اختياركم لي مديراً للمدرسة”، فكان جواب المسئول عن ملف التعليم في السلطة المحلية: “نحن المسئولون عن المدرسة الثانوية ، ولن نسمح لأحد حتى لو كان من وزارة المعارف التدخل في المدرسة الثانوية وهي التي تهمنا. ونحن على استعداد لفصل الإعدادية عن المدرسة الثانوية (كانت المدرسة حسب النظام الشامل إعدادية مع ثانوية) لتسهيل قبولك للعمل في المدرسة الثانوية”.
حاولت وضع شروط تعجيزية أمامهم, لكن هذه الشروط ضاعفت من إصرارهم على اختيارهم لي، فلم تصمد جبهة إصراري أكثر أمام إصرارهم. ووافقت على أن تنشر في المستقبل القريب مناقصة قانونية حتى يصبح التعيين شرعيا يتضمن مقاييس تربوية. وكان يساورني في داخلي ذلك الشعور الذي يؤكد لي أن شيئاً غامضاً سيخرج من بين جحور وزارة المعارف.. !

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة