التوافق السياسي بين النجاح والفشل


الرابط : سياسة واخبار :
د. ناجي شراب – فلسطين المحتله :
من المفارقات السياسية العربية عدم قدرة القوى السياسية المختلفة على التوافق السياسى في إطار نظام سياسى توافقى ، هذا على الرغم من أن معظم الدول العربية لا تعانى من نفس المشاكل العرقية والمذهبية واللغوية التي تعانى منها نماذج سياسية كالهند والتى نجحت في تقديم نموذجا توافقيا ناجحا  يجمع في إطاره كل القوى السياسية ، وكل الشرائح السكانية المكونة للهند كالمسلمين والهندوس والمسيحيين وعدد ليس بالقليل من اليهود ، وهذا النموذج  جاء بعد عملية مخاض صعبة مرت بها الهند ودفعت ثمنا باهظا من العنف الذي راح ضحيته الآلآف من السكان ، لكن الهند في النهاية أدركت أنه لا سبيل إلا ببناء نظام سياسى توافقى، ودستور مطول يقوم على ألتأصيل لفكرة المواطنة ، والمساواة في الحقوق للكل ، ونجحت في بناء نظام سياسى فيدرالى أقرب إلى المركزية ، هذا مع العلم أن الهند عدد سكانها يزيد عن المليار ، وتعانى من مشاكل فقر كبيرة ، لكنها نجحت أن تكون دولة نووية ، وصناعية متقدمة ، وهذا بفضل أمران  :العقل الهندى المبدع ، والوصول إلى صيغة للتوافق السياسى .والولايات المتحدة نجحت في بناء نظام سياسى توافقى ديموقراطى ، وتبنى أقوى دولة في العالم بفضل قدرة المؤسسون ألأوائل على الوصول إلى صيغة توافقية تتناسب مع خصوصية الحالة ألأمريكية ، وتحول أمريكا إلى أمة من المهاجرين ، وتحل اكبر معضلة سياسية ببناء المواطنة ألأمريكية لكل سكانها الذين يزيدون عن ثلثمائة مليون نسمة جاءوا من بقاع شتى وبلغات مختلفة ، وبجنسيات مختلفة ، والمسلمون يشكلون نسبة معقولة ، ونجحوا في الإنصهار في البوتقة ألأمريكية . والسؤال المسلمون ينجحون في الخارج ، ويفشلون في الداخل لماذا ؟ هل السبب في العقلية والذهنية الإسلامية ؟ وهل السبب في عدم النضج السياسى ، وعدم القدرة على إكتساب القيم الديموقراطية ؟ ولماذا لا نريد دولة كل الماواطنيين ،أليس إلإسلام دين المواطنة الواحدة ؟ أم هو خوف الإسلاميين من فقدان الحكم والسلطة ؟ هذه التساؤلات وغيرها تحتاج منا جميعا لإجابة واضحة ، لعلنا نصل إلى نظام سياسى توافقى ديموقراطى يسمح  في بناء دولة واحده قوية ، أليس الهدف هو الوصول إلى هذا الهدف ، وكيف يمكن تحقيق مقاصد الحكم الإسلامى بدون دولة ونظام سياسى توافقى؟ هذه الظاهرة تشدنى دائما وأنا أتابع حالة التحول العربية ، وفوز الإسلاميين بالحكم ، والسلطة ، وبروزهم كقوة سياسية لا يمكن بعد ذلك القفز عليها . وعملية الوصول أو القدرة لي بناء نظام توافقى ليست مسألة سهلة ، وتحتاج إلى ثقافة توافقية ، تقوم على مبدأ المواطنة والقبول والتكامل والإندماج بين كل المواطنيين ، ودون تمييز علي أى أساس كالدين مثلا. وقد تستغرق وقتا طويلا  تتخلله حالات من العنف الذي قد يعصف بكل إنجازات الثورات العربية ، وسيكون أول الخاسرين الحركات الإسلامية ، لأنها أول الفائزين من الثورات العربية ، وهذا ما ينبغى أن تدركه هذه القوى ألإسلامية ، وأن تفصل بين الدين كديانة ، وبين الدين كمكون في ملية التوافق. فلم يقف الدين عائقا أمام ذلك كما النموذج الهندى أو ألأمريكى أم غيرهم من النظم ألأخرى . والتوافق قد يأخذ أكثر من شكل ما يعرف بديموقراطية الإجماعية أو شبه ألإجماعية والتي يتم من خلالها إتخاذ القرارات المصيرية بتوافق الجميع الذي يصل إلى حد الإجماع. وهذا ما حدث فعلا في الإجماع على إختيار جورج واشنطن رئيسا للولايات المتحده ، والدور الذي قام به الزعيم الهندى نهرو وقيادته لحزب المؤتمر  الهندى ، وأيضا في نموذج جنوب أفريقيا بعد عذاب طويل من العنصرية ،ونجاح نيلسون منديلا في بناء نموذج سياسى يقوم على المواطنة الواحدة بعد أن كان يقوم على العنصرية والتناحر والإقصاء. هذا النموذج ركيزته وجود قوى سياسية يلتف حولها مبدا الإجماع الشعبى ، وهذا لا يتوفر في الحالة العربية الأن ،فالبديل لذلك البحث في الصيغ الأرى مثل :الديموقراطية التنافسية والذى يقوم علي حصول أحد ألأحزاب على الأكثرية أو ألأغلبية التي تؤهله لإتخاذ القرارات ، وهذا الشكل قد يقود إلى حالة من الإنقسام والإستقطاب لعدم توافر أسس الديموقراطية التنافسية وخصوصا ثقافة القبول بالتنافس الديموقراطى ، وهنا قد تبرز المشاكل العرقية والمذهبية ، والتنافس الأيدولوجى ، وعدم المصداقية ومحاولة فرض غلبة حزب واحد ، وهى الحالة التي تسود ألأن بعض ادول العربية.وهى حالة غير مقبولة لأنها ستنتهى بعنف وصدام ونزاع أيدولوجى الكل فيه خاسر. تبقى الصيغة الثالثة وهى الصيغة التوافقية والتي تعنى التوافق حول دستور توافقى ، وتقاسم السلطة ، وعدم إحتكارها ، وشعور كل مواطن أن لديه دور ، وهذا النظام يحتاج إلى توافر مقومات وركائز قويه مثل تحقيق مستوى عال من التقدم الإقتصادى والتعليم ، وبناء دولة قوية قادرة على توفير كل الخدمات ، ومن هذه النماذج الناجحة النمسا وسويسرا وبلجيكا وهى دول رفاه متقدمه ولكن في المقابل توجد نماذج فاشله كالعراق التي دخلت في نفق صعب من العنف وبوادر حرب اهلية . والبديل لذلك هو الشكل الثانى التنافسى مع الأخذ ببناء أسس نظام توافقى . وأخيرا كل هذه الأشكال الثلاث تكتنفها صعوبات وتحديات هى التي تفسر صعوبة الخروج من المرحلة الإنتقالية ، لكن قراءة لدروس وعبر الدول الأخرى كالهند وجنوب افريقيا والولايات المتحده قد تكون دافعا للجمع بين الديموقراطية التنافسية والتوافقية ، ولتدرك كل القوى السياسية وخصوصا الإسلامية منها الفائدة من بناء ديموقراطية توافقية.
دكتور ناجى صادق شرا ب\أستاذ العلوم السياسية \غزة
[email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة