الله رب ( النهضة) وربنا جميعا

الرابط : اراء حرة :
محمد الحمّار – تونس :
الآن وتونس على مشارف موعد 23 أكتوبر الذي تعدّ له الأطراف الفاعلة العُدة كلٌّ حسب خلفيته الإيديولوجية وحسب منطلقاته السياسية وحسب غاياته وحتى حسب أوهامه، ليس من مصلحة البلاد أن يتفاقم الانقسام المفتعل بين إسلاميين وعلمانيين، بين حزب حركة النهضة وبقية الأحزاب، بين الإيمان والكفر. لقد حان الوقت لللجوء إلى الموارد الكامنة في العمق لدى الفرد والمجتمع لكي تحافظ الاختلافات على فاعليتها لكن بمنأى عن هذا المشهد الانقسامي وطِبقا لتمشٍّ توحيدي. وهل هنالك ما هو أفضل من عقيدة التوحيد موردا لتوحدنا؟

إنّ الذي لم يستسغه إلى حد هذه الساعة حزب حركة النهضة ومعها حكومة الترويكا التي تهيمن عليها هي والذي تسبب في قسط كبير في حالة الاحتقان المبتلى به المجتمع بأكمله هو إدراك أنّ الله سبحانه وتعالى هو ربهم ورب خصومهم على حدٍّ سواء. لو أعاروا هذه الحقيقة حدّا أدنى من الأهمية لَضمِن المجتمع لنفسه حدّا أدنى من الوحدة وبالتالي حدّا أدنى من التوافق حول السياسة الكبرى للبلاد سيما حول المسائل الخلافية بين الفرقاء. في هذا السياق ليس لأي طرف من الغالبية المسلمة التي يتكون منها شعب تونس أي عذرٍ لأن يرفت من ذهنه الحقيقةَ التي مفادها أنّ الحرية التي نادى بها ثوار تونس في يوم 14 جانفي من سنة 2011 هي من عند الله، وأنّ الكرامة من عنده وأنّ الشغل والدخل المالي من عنده وأنّ المحصول الزراعي والمنتوج الصناعي من عنده وأنّ كل طلبات الثورة لا يمكن أن تتحقق إلا بتزكية منه.

أين المشكلة إذن؟ وما المانع في أن يتفق الجميع على مثل هذه المسلمة؟ وهل هي فقط مسلمة كاتبِ يسقطها على قرائه ابتغاء الدمغجة أو أسلمة القراء، معاذ الله (إنهم مسلمون بعدُ؛ فهل يؤسلَم المسلمُ؟)؟ في رأينا تتمثل المشكلة في كون كل طرف يؤمنٌ بعدُ بمثل هذه المسلمة لكن هنالك من يريد فرضها فرضًا لكَأنه متكلم بالوكالة عن الله ، بينما هنالك شق مقابل ينفرها ولو كانت حقيقة، وهو ينفرها بسبب إحساسه أنّ هنالك من يتحامل عليه ليفرضها عليه فرضًا. وهذا ما يفسر الانقسام الموصوف أنفا.

وفي نظرنا ليس هنالك حلٌّ لهذه الوضعية المستعصية سوى الحل التنويري أي التربوي والحواري والتحرري. وهو حل يتطلب الإيمان بأنّ العودة إلى الله والابتعاد عن الخطاب الوعظي الإنشائي تتم عبر العودة إلى الفطرة. وهذه الأخيرة تتوجب الارتكاز على سند متحركٍ مثلما استند الإيمان في زمن البعثة على الرسالة المتحركة لمحمد صلى الله عليه وسلم. وكما أنّ الرسالة لغة فاللغة رسالة، وبهذا تكون اليوم هي السند المتحرك الممكن التعويل عليه بشدة كمدخلٍ لتحقيق الوحدة بين أفراد ومكونات المجتمع المسلم وحتى بين المجتمعات المسلمة، سيما وأنّ العامل اللغوي متوفر لدى العام والخاص ولا يستدعي أن يُختبر المرء في إيمانه لكي يقع التأكد من تملكه اللغة. وإلا فكيف تم كتابة دستور جديد للبلاد دون اعتماد لغة الشعب، الدستور الطبيعي للشعب؟

نرجو أننا لسنا بصدد طرح طوبى كبديل عن واقع منذر بالانفجار بقدر ما نرجو أننا بصدد اقتراح بديلٍ قابلٍ للإنجاز آملين أن ينذر بالانفراج. ومنه فنقترح على المجلس الوطني التأسيسي أن يحسّن لغته لمّا يخاطب الشعب المتعطش للوحدة والوفاق. ونطالب الحكومة وحزب حركة النهضة المهيمن عليها بالقبول بالإسهام في إعداد خارطة طريق ترمي إلى الإصغاء إلى لغة العوام وإلى استقصاء المعاني الخفية والمتشابكة في طيات مضمون هذه اللغة. حيث إنّهما برهنا إلى حدّ الآن على مغالاة في الخطاب المبثوث ولم يعمدا إلى التصنت إلى الخطاب المتقبَّل. بل قُل إنّهما لم يغتذيا إلا من مواردهما الذاتية، والحال أنّ الحياة الديمقراطية تشترط باثا ومتقبِّلا يتبادلان الأدوار دوريا. وهذا الشرط مفقودٌ الآن بينما هو من مرتكزات الديمقراطية التشاركية. كما نهيبُ بقوى المعارضة أن تضع حبرا على ورق أجنداتها التي نفترض أنها تقدمية وحداثية، وأن تنجز ذلك بلغةٍ تفهمها الدهماء من شعب تونس. فالخطاب الخالي من اللغة الشعبية وغير المستجيب لفحوى رسالتها آيلٌ للاندثار لا محالة. وإذا ما تزال هذه المعارضة، وهي في الحقيقة معارضات، خجولة من لغة الشعب فما عليها إلا أن تعلن جهرة أنها ضالعة في المشروع المضاد للثورة وأنها تشارك قوى الدفع إلى الوراء محاولاتهم للاستبداد بشعب تونس المكتوب على جبينه التقدم والارتقاء نحو الأفضل. وما عليها إلا أن تكفّ عن مقارعة التفاهة بالتفاهة.

إنّ شعب تونس فعال لما يريد بمشيئة الله. فيا مثقفي تونس، لا تستعبدوا هذا الشعب بتفاسيركم المسقطة لدينٍ يعرفه جيدا منذ وُلد، وبأفهامٍ لا تزيد حياته إلا تعقيدا. في المقابل علموه لغة تمكنه من التحرر الذاتي. علموه كيف يحرر نفسه ليتمكن بنفسه من التوصل إلى ربط العلاقة بين أن تكون الحرية مطلبَه وبين أن تكون من عند الله من دون أن يذعن للفكر القروسطي، بين أن تكون الكرامة والشغل والسكن والتعليم مَطالبا وحقوقا وبين أن يكون الله هو الذي يسخر ظروف تحقيقها شريطة التزام الناس بالعمل متوكلين عليه لا متواكلين. وإن فعلتم ذلك فلا يلومنَّكم على ذلك أحدٌ. لأنكم هكذا لا تؤسلِمون المسلمين وإنما تحررونهم من أجل أن يتوحدوا حول مشروعٍ للمنهج قبل أن يشاركوكُم في أيّ مشروع للإنجاز السياسي. ألم تفهموا أنهم رافضون لكل مشاريعكم بسبب افتقارها للمنهج المنسجم مع ثقافتهم؟ بل ألم تفهموا أنكم، مثلكم مثل الحكومة وأحزابها، تتصرفون كالذي يفرش الحصير قبل بناء المسجد؟

إذن من هنا إلى غاية موعد 23 أكتوبر، وهو موعد مستراب فيه أحيانا ومفزع أحيانا أخرى، كثير من الأشياء من الممكن أن تُنجَز لفائدة تحقيق الحد الأدنى الممكن من التوحد الإيديولوجي ومن الوفاق السياسي. وطمأنة الشعب بات شرطا أساسا لبلوغ هاته الغاية. كما أنّ توخي مخاطبة الشعب بما يفهم أضحت وسيلة ضرورية لتحقيق الطمأنينة في النفوس. وفي هذا السياق لكم في “المبادرة الوطنية” للاتحاد العام التونسي للشغل أسوة حسنة. كما أنّ في مبادرة الأستاذ منصور معلى، وفي ما تلاها من مبادرة متكاملة للأستاذ الصادق بلعيد (والمنادية بدورها بتفعيل مبادرة الاتحاد)، و في ما حظيت به هاتين الفكرتين الاثنتين من تزكية من طرف الأستاذ عبد المجيد الشرفي، خير مثال على التمشي الذي يقترب من شواغل الشعب ومن طريقة تفكير الشعب. ومهما كان فحوى الأشياء الممكن إنجازها، ومهما كان مضمون المبادرات الوطنية، فالمطلوب من كل الأطراف التي ستكون معنية بمناقشتها وبدراستها وربما بمتابعتها هو لا فقط العمل على تفادي الأزمة وتجاوز الواقع المرير، وإنما أيضا العمل على الارتقاء بالهمم إلى مستوى يسمح بفتح آفاق رحبة أمام أبناء وبنات تونس الجديدة كي يكونوا مؤهلين خير تأهيل لإنجاز التغيير و لبناء المستقبل.
محمد الحمّار

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة