الفقراء يزرعون والانتهازيون يقطفون

الرابط : اراء حرة :
امديرس القادري – فلسطين المحتله :
كبير هو الفارق على صعيد المدى والعمر الزمني بين مرحلة الربيع العربي وبين حقبة الإستبداد الظالم التي سبقتها ، فالقهر والعذاب والقمع وغياب أبسط أنواع الحرية طال وامتد لعقود زمنية عديدة ، و قبل هذا الربيع كان الإلتصاق و التمسك بالكراسي الرئاسية حتى تأتي لحظة الموت هو السمة السائدة والطاغية في أغلب الدول العربية ، جمهورية كانت أو ملكية ، بل وحتى يتواصل ويتنامى الإستبداد فلقد كان الوجه الآخر لهذه العملة المفروضة على رقاب العباد ، يتمثل في الكثير من البلدان بظاهرة التوريث التي عشنا ترجمات عديدة لها على أرض الواقع .
بالمجمل العام ، وبالرغم من هذا الفارق في العمر الزمني بين المرحلتين فقد يكون الذي قيل وكتب عن الربيع العربي الذي ثار بركانه في الشقيقة تونس ، أكثر بكثير من ذلك الذي قيل وكتب عن مرحلة الإستبداد الظالم وأنظمتها ، فالدراسات والمقالات لا تزال تأتي وكزخ المطر ومن كل الفرق ، المتفائلة ، والمتشائمة ، وحتى المتشائلة منها ، ولم تسلط أضواء العالم كله في يوم من الأيام على منطقتنا العربية كما هي مسلطة وموجهة إليه في وقتنا الراهن .
الإهتمام الدولي من أعداء ، وأصدقاء العالم العربي يكاد يصل إلى أعلى القمة و إلى أبعد المديات السياسية والإقتصادية والعسكرية و الأمنية ، وإن كنا نشعر ومن باب المنطق والموضوعية ، وبالرغم من النيران التي إكتوينا بها كشعوب صابرة بأنه لا يجوز أن نضع جميع البيض في سلة واحدة ، لأننا لو فعلنا ذلك و بغض النظر عن كل الغضب الكامن في التفاصيل فقد لا نلام ، وهذا بطبيعة الحال من منظور المواقف والسياسات التي اتخذها ولا يزال هذا العالم من أسخن القضايا التي لا تزال تشتعل نيرانها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وما تعيشه من مأساة ، حيث يواصل هذا العالم وعلى الأخص دوله القوية إدارة الظهر لها .
إنتصر الربيع العربي في بعض البلدان العربية ، وتحققت لها ولشعوبها بعض الإنجازات وإن كانت لا تزال في البدايات وتحاول ان تقطع الخطى نحو المستقبل الواعد والأفضل ، في ذات الوقت ، لا يزال البعض الآخر وخصوصا في دول النفط والغاز يحاول الإمساك والتشبث بكل ما هو قديم وبالي من عوالم الظلم وقهر الشعوب وحرمانها بالتالي من أبسط حقوقها ، بل انهم لا يتوقفون عن التدخل السلبي في الدول التي تحقق فيها التغير و الإصلاح بهدف حرفها عن المسار ، وإعادتها إلى أحضان الإستعباد وحكم وسطوة أجهزة الأمن وسجونها وزنازينها وأقبيتها ، وهذه بالنهاية معركة ، ستتواصل ولا بد أن تنتصر في الختام راية الحرية على الحرمان ومهما طالت أو بعدت .
الخوف الكامن في القلوب والعقول وبين الضلوع ، يتمحور وينصب ويتمركز ونحن نشاهد ونتابع مجريات الحدث وتفاصيله عند حقيقة أن فقراء هذا الوطن العربي هم الذين زرعوا وسقوا زرعهم بالدم ، ولكن الإنتهازيون وبقاياهم هنا وهناك هم الذين يقطفون ويستحوذون على كل ما ينضج من الثمار وللأسف الشديد ، هذه هي محصلة الناتج الفعلي والأولي عندما نتوقف أمام ما جرى في تونس ، وليبيا ، ومصر ، واليمن ، و البحرين ، وحتى سوريا بالرغم من كل الخصوصيات التي قد تعتري كل مجريات عملية التغيير التي لا تزال تنزف دما على أرض الواقع .
وزيرة الصحة في ليبيا وعبر مقابلة مع إحدى الفضائيات تؤكد بأن أربعة مليارات دولار فقط استولت عليها عصابات و مافيات الفساد الليبي من وراء عملية معالجة الجرحى والمصابين والتي دارت عجلتها بشكل مريب بعيدا عن التنظيم والمراقبة والمحاسبة ، وقد يكون ذلك مجرد مثال بسيط للمليارات التي لا حصر لها والتي طارت وتبخرت أيضا على أيدي تجار الحرب الجشعين والفاسدين وفي عمليات نفطية مشبوهة أو تحت ذرائع إعادة الإعمار .
أين ذهبت كل هذه المليارات ؟ ولماذا علينا العودة إلى الإستجداء من دول النفط والغاز والبنك الدولي ؟ صحيفة ” الجارديان ” وفي عددها الصادر في الثالث من سبتمبر نشرت تحقيق يشير إلى أن قادة ست دول عربية نهبوا نحو ( 300 ) بليون دولار من ثروات بلادهم على مدى الأربعين سنة الماضية ، وخبراء البنك الدولي قدروا حجم المال المنهوب من مصر وحدها فقط خلال الثلاثة عقود الماضية بنحو ( 134 ) بليون دولار ، الزوجات ، والأبناء ، ومختلف الأقارب ، وباقي الحاشية المقربة كلهم سرقوا ونهبوا وتطاولت أيديهم على قوت شعوبهم و على المال العام .
حبر النفط لا يمكن أن يكتب كلاما صادقا عن الحرية ، والغاز برائحته الكريهة لا يحمي كرامة ولا يصون إستقلال ، الإعتماد على الذات وحده هو الذي يمكن له أن يأخذ بيد الشعوب التي تشعر أنها تحررت و لو جزئيا من الظلم والإستبداد نحو شق الطريق لمستقبل مشرق وواعد ، وليس مطلوبا من أجل تحقيق ذلك سوى أن ترتقي جميع القوى صغيرها وكبيرها بوحدتها السياسة و الوطنية ، و حتى تصل إلى ملامسة آمال وتطلعات شعوبها وعلى الأخص الفقراء منهم ، الذين يعود الفضل لهم ولتضحياتهم وللدم الذي سال من أجسادهم في تعبيد الطريق أمام قطار هذا الربيع والذي لن يتوقف في محطته الأخيرة حتى تكتمل الأهداف وتتحقق الأمنيات التي إنطلق من أجلها .
كل ما نسمعه عن صراع وتناحر الأخوة و الرفاق من مختلف الهياكل و الأدوات السياسية لا يثير في النفس سوى شعور الإشمئزاز ، في الوقت الذي لا تزال فيه عملية تنظيف البلاد من كل العفن الداخلي السياسي والإقتصادي والعسكري والأمني في المهد ، الإنتباه لذلك والإنشداد إليه هو طوق الأمانة الذي يضعه الفقراء في رقاب كل من يدعي أنه ساهم وشارك في تفجير هذا الربيع ، فالزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ، الأعداء من خارج البلاد وداخلها لا يزالون يتربصون ويبحثون عن فرص للإنقضاض على كل ما تم إنجازه حتى اللحظة ، فهل نعطيهم الفرصة أم نفوت عليهم ذلك ؟ هذا هو التحدي ، وهذا هو سر النجاح أو الفشل لهذاالمولود الذي اتفقنا على تسميته بالربيع العربي !
د. امديرس القادري

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة