سلوكيات رئيس

الرابط : اراء حرة :
د. ناجي شراب – فلسطين المحتله :
لعل من أبرز التحولات التي جاءت بها ثورة التحولات العربية وأهمها ليس فقط التحول والتغير في بيئة ومكونات ودور وتبدل القوى السياسية ، بل التغير في السلوك السياسى على مستوى المواطن حاكما أم محكوما . ولا شك لهذا التغير جوانبه الإيجابية والسلبية في مرحلة التحول . والذى يعنينى التحول في السلوك السياسى للحاكم الذي يعتبر النموذج والقدوة في هذه المرحلة ، والذى بسلوكه يمكن أن يؤسس لمنظومة جديدة من القيم السياسة إما أن تقود إلى التحول السلمى والتأسيس لعقد جديد من الحكم يقوم على تأكيد مقولة كل حاكم محكوم، وكل محكوم حاكم ، وإما لتـأكيد أو إستنساخ لشكل جديد من الإستبدادية السياسية ، وإعادة إستنباط الثقافة ألأبوية ،ولكن هذه المرة تحت مبررات التحول والتخوف منه، وهذه هى أخطر أشكال الإستبدادية . ولقد لمست هذا التحول في زيارتى ألأخيرة لمصر، وتابعت من خلال معايشتى المباشرة للمواطن العادى كم حجم هذا التغير ، وأن المواطن بدأ يتكلم ويتحدث في السياسة ، وبدا ينتقد تصرفات وسياسات وقرارات يصدرها الرئيس ، وبدأ يتساءل عن مصداقية وعود الرئيس. وفى يقينى إن هذا التحول أحد أبرز متطلبات التحول الديموقراطى ، لكنه في حاجة إلى ترشيد ونضج أكبر. والذى شدنى متابعة والوقوف على سلوكيات الرئيس سواء من خلال خطاباته وكلماته والمناسبات التي يحرص على المشاركة فيها او من خلال زياراته الخارجية وخطابيه سواء في قمة عدم الإنحياز في إيران أو خطابه في قلب جامعة الدول العربية الرمز والبنيان المتبقى من العروبة. ولقد أستوقفنى سلوك الرئيس الدكتور مرسى بكثير من مظاهر التحول التي لم يعتاد عليها المواطن المصرى ، وحتى المراقب في الخارج.فالرئيس ليس مجرد مواطن عادى لا ينظر إلى سلوكه إلا من هم حوله ، ولكن الرئيس ينظر إليه ويسمعه ليس فقط حوالى تسعون مليون مصرى في الداخل، بل مئات الملايين من هم في الدول العربية والإسلامية ، وحتى في الدوائر الدولية ، لأننا هنا أمام رئيس مصر الجديد، ومصر الجديدة ، الرئيس الجديد لأنه بلا شك من حركة ألأخوان المسلمين ولذلك هو يجسد سلوك الحاكم المسلم، واول مدنى بخلفية علمية عليا يحكم ،ويمثل مصر الجديدة بثورتها ورفضها للإستبداد والظلم السياسى ، وبمدنيتها الحضارية . وهنا إلى مدى سيقدم الرئيس محمد مرسى هذا النموذج السلوكى في ابعاده الداخلية والداخلية ، وفى تقديم صورة مصر الجديدة للعالم في مكوناتها السياسية والحضارية والدينية والقومية والجغرافية الذي تنتمى إليه.
وبملاحظة سلوك الرئيس لا شك نحن أمام نموذج جديد للرئيس لم يتعود عليه المواطن العادى مقارنة بالنماذج السابقة ، وهذا ما يجعل هذا النموذج في حالة من الإختبار والمصداقية وأحيانا من التشكيك من قبل المواطن العادى ، وهنا تقع المسؤولية المباشرة على الرئيس لتأكيد مصداقية سلوكه ، وثباته وعدم تغيره ، وهذه اهم قاعدة من قواعد الحكم الرشيد والصالح ، فإذا ما صدق الرئيس في سلوكه فهذا من شأنه أن يكسبه الشرعية والقبول والإلتفاف الشعبى ، ويجعل المواطن يرى نفسه وسلوكه في الحاكم . ولعل اهم ما يشد الإهتمام فى سلوك الرئيس مرسى أنه يشعرك أنه ما زال مواطنا عاديا قريبا من الناس يتحدث بلغتهم ومعاناتهم ، ولم تظهر عليه مظاهر البذخ والثروة التي تأتى بها السلطة . فما زال يعيش في مسكنه ، ولم ينتقل لحياة القصور ، وإن كان من حقه أن يعيش في أحد قصور الرئاسة ، ولم يتغير في ملبسه ، وهذه سلوكيات مهمة . فالناس لم يعتادوا أن يروا الرئيس يصلى في الناس ويؤمهم ، ولم يعتادوا أن يروا رئيسا حافظا للقرآن ، ولقد فوجئت في ليلة القدر وأنا أركب في سيارة أجرة والسائق يستمع إلى كلمة الرئيس في هذه الليلة مشاركا إستغراب السائق الذي قال لي لم نعهد الرئيس يقوم بذلك ، لكنه أضاف أتمنى ان يبقى الرئيس على ذلك ، فانت لا يمكن إن تخاف من رئيس يعرف الله ويلتزم بقرآنه، لأن من يخشى الله سيخشى عباده . لأن رضا الله من رضا عباده ، وهذا قاعدة أخرى في الحكم الصالح والرشيد.والناس لم يعتادوا أن يروا الرئيس يؤم المصلين في صلاة التراويح في المسجد الذي إعتاد أن يصلى فيه بلباسه العادى الذي يلبسه كل مواطن ، وهنا قد يذهب ويقول أن الرئيس بإمامته يسعى لحكم الخلافة الإسلامية ، وهنا على الرئيس إن يؤكد أن لا علاقة ذلك بالسعى للخلافة ، واهمية أن يؤكد الرئيس في سلوكه الداخلى على السلوك المدني ، وان مصر دولة مدنية ، وأنه رئيس لمصر وليس لحركة ألأخوان وهذا ما يلمسه المتابع لسلوك الرئيس ، وهذا يضع الرئيس تحت الإختبار والمصداقية مرة ثانية ، وأن يبرهن على صدق هذا السلوك بترجمته واقعيا على الأرض. والملاحظ في سلوك الرئيس مرسى حرصه على البعد الإنسانى وهذا هى قاعدة أخرى من قواعد الحكم الصالح على الرئيس أن يحرص عليها. ومن سلوكيات الرئيس سلوكه وخلفيته الدينية ، وأعتقد إن هذا مكون إيجابى من مكونات سلوك الرئيس يحفظه من الفساد الذي يدمر ويسرع في نهاية أى حاكم .ولعل أبرز المظاهر السلوكية للرئيس مرسى هو القوة في القول والفعل ، فهو يحرص أن لا يظهر بالرئيس الضعيف ، وقد ترجم ذلك في علاقته بالمجلس العسكرى ، وفى العديد من القرارات التي إتخذها ، وهو هنا يستمد قوته من الشرعية الإنتخابية والشرعية الثورية ، وهذا ايضا ما ينبغى إن يبدى فيهما مصداقية بعيدا عن علاقته بحركة ألإخوان . خلاصة سلوك الرئيس حتى هذه اللحظة التأكيد على انه يتصرف كرئيس لمصر ولكل المصريين ، وليس رئيسا لحركة أو تنظيم ، وبقدر التأكيد على هذا السلوك بقدر نجاحه ، وتزايد شعبيته ، ويكفى الرئيس مرسى أن كل المصريين يتجهون إليه لحماية حقوقهم ، ومثال على ذلك شريحة الفنانيين والمفكرين والمبدعيين امام ظاهرة الفتاوى التي تجهض وتحرم الإبداع الفنى الذي هو من الإنجازات احضارية لمصر كحضارة الأهرامات . ولا يقتصر ملاحظة سلوك الرئيس مرسى عند البعد الاخلى ، ولكن لهذا السلوك بعدا إقليميا ودوليا ، فهو ورغم إعلانه إحترام الإتفاقات والمعاهدات الموقعة بين مصر وغيرها من الدول بمن فيها إسرائيل ، لكنه ومنذ البداية أبدى قوة وإستقلالية ، ولم يرضى أن يبقى أسيرا لهذا المعاهدة طالما تتعارض مع سيادة مصر ، والدليل على ذلك تحرك الجيش المصرى وقوات الداخلية في سيناء لملاحقة مرتكبى جريمة رفح ، وفى هذا رسالة قوية لسلوك قوى لمصر قوية . ومن الملامح لهذا السلوك أضا حضوره قمة عدم الإنحياز في طهران كرسالة لإستقلالية القرار عن الضغط ألأمريكى ، بل واكثر من ذلك وصفه إيران بالشقيقة، وحسنا فعل لو أعلن عن قيام علاقات ديبلوماسية معها كأى دولة عربية أخرى. ، وفى الوقت نقده اللاذع لما يقوم به النظام السورى ومطالبته الرئيس السورى بالتنحى ، رسالة قوية يحاول من خلالها الرئيس مرسى على إحياء دور مصر في كتلة عدم الإنحياز ، وذكره دور الرئيس عبد الناصر ، وفى البعد العربى خطابه امام إجتماع المجلس الوزارى العربى ، وحرصه علي الحضور لتأكيد دور وهوية مصر العربية ، وتاكيده على ألأمن العربى ومحورية القضية الفلسطينية ، وتأكيده أيضا على دور مصر في هذا الشأن ، وفى الوقت ذاته لم يغب عن باله العمق الأفريقى لمصر، وتاكيده علي هذه الهوية ، بل ذهب بعيدا في زيارته للصين قبل الولايات المتحدة . هذه بعض الملامح التي يمكن رصدها لسلوك الرئيس مرسى ، ولكن هذه الملامح والتصرفات لا تكفى بدون إدراك أهمية إحياء عناصر القوة لمصر . وهذا لن يتحقق إلا بتكامل السلوك السياسى في كل مظاهره ومستوياته وابعاده الداخلية والإقليميةوالدولية ، وكما أن السلوك كل لا يتجزأ ، كذا قوة مصر لا تكتمل إلا بالكل المصرى . وأخيرا يدرك الرئيس مرسى أن الكل ينظر إليه في الداخل والخارج ، لكن السؤال يبقى كيف سينظر الرئيس مرسى للأخرين وباى عين عين مصر ام عين ألأخوان؟
دكتور ناجى صادق شراب \ اكاديمى وكاتب عربى
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة