لا تطفئوا اللهب

الرابط : فلسطين :
جواد بولس – فلسطين المحتله :
ثلاثة أحداث بارزة تزامنت في مجرى الأيام القليلة الفائتة. ردود أفعال المؤسسة الرسمية الإسرائيلية عليها تتسم، كما تعوَّدنا، إمّا بالرعونة أو بالمداهنة أو بالإهمال. لم تختلف ردود فعل بعض مؤسساتنا الرسمية، الأهلية منها والشعبية، وكذلك كانت ردود فعل معظم قياديينا التي جاءت أصواتهم كجوقة تسلّحت بمجموعة أفعالٍ مقاوِمة استلَّت من جعبة أمنا الرؤوم، اللغة.
إسقاط الواجب كان عنوان الحراك الشعبي في حادثتي دير اللطرون. ومسجد بئر السبع. أمّا ما يضيف قهرًا على ما بدا من تلك القيادات، ومن تصرفاتهم، كان غياب موقفهم وتغاضي الأكثرية منهم إزاء الصرخة التي أطلقتها الفنانة سناء لهب كما نقلت بعض المواقع الإخبارية. فوفقًا لما قرأتُ تلقَّت الفنانة تهديدات عديدة تنذرها وتحاول إرهابها وثنيها عن الكتابة والتعبير عن آرائها. هذه تهديدات خطيرة وجدّية ولا تعتبر أقل أهمية من الاعتداءين الآنفين.
غياب مواقف قادة ورؤساء حركات سياسية وأحزاب هو أمر مقلق، ويجب على الجماهير محاسبة من غاب وملأ فمه نفاقًا وصمتًا مريبًا. على كل أصحاب المنابر والمنصات والأقلام أن يسمعوا موقفهم المندَّد والشاجب والداعي إلى وقف هذه الأساليب وهذه التربية والثقافة المميتة لمستقبل مجتمعنا.
على جميع من يعتبر الحياة قيمة عليا والحرية كذلك، أن يعلي الصوت وأن يقف إلى جانب سناء لهب المهددة ، حتى لو كان البعض يعترض على موقفها، كي نعطيها بعضًا من قوة وقسطًا من أمان.
لم نسمع كما في الحوادث الأخرى هدير الحناجر ودوي القصف المتلفز وهذا ما يؤلم ويحزن ويستفز. ربمّا لأنها فرد واحد والاستثمار فيها خاسر في موازين الربح الانتخابي والخسارة، وربما صرف الصمت في بنوك النفاق كسندات مداهنة تسترد يوم حساب ودين. مهما كانت الأسباب والدواعي، لا تبرير ولا غفران لا سيما ونحن نرصد أفعالهم وأصواتهم التي كادت تجاري نباهة صاحب “الساق على الساق”، رحمه الله وأعاد أمثاله، فلو كان بيننا لأسعف أبناء الأمة وزوَّدهم باحتياطي أفعال مقاومة باتت حالتنا تنخ من وطأة شحِّها وقلّتها نسبةً لأعداد الأفواه المتدافعة في وجه غارات العفن وسلاحها لسان ماضٍ وذمة أوسع من ذمة التاريخ.
قياداتنا، مؤسساتنا، الجميع، يستنكر، يشجب، يدين، يحذّر، يتوعّد، يهيب، يستشيط .. لغتنا ، على الرغم من ما مات من أطرافها ويبس، بقيت زاخرة معطاءة لا تبخل، فتصوروا لو لم تكن هكذا، أتمكٌن “نتنياهو” من أن يدين الاعتداء على كنيسة دير “اللطرون” بينما المفتي يندّد وأعضاء كنيست عرب يدعون الشعب لليقظة ويستنصرونه. حكومات عربية تشجب وفصائل مقاومة تستشيط وتنذر.
دير اللطرون موقع يتهادى على سفح هضبة كرسم محفور على مرآة الزمن. من بعيد يحسبه الراني لافتة على قارعة وطن تذكّر بأمجاد عرب درست، وصوت من روابيه يردد “أغار من نسمة الجنوب”. إنه معبد يحفظ سرَّ رهبان لجأوا إليه من ورع أو من ورم الأيام وقسوتها، اشتهر بعناقيده تقطع رقابها وتعصر ليصبح قليلها مفرحًا لقلب الإنسان، كما علم السيّد آباء من بنى وسكن ودافع وحافظ على الدير وبعض من أراضيه.
من يتحرش ببيت يتضرّع ساكنوه للرب ويدعونه لأن يحفظ آباءهم والولاة والقضاة والحكام وبما تبقى لهم من وقت يصلّون من أجل نصرة مقموع على قامع وإطعام فقير محتاج من غانم سالم؟ من يقوى على بيت الرب هذا وما هذا الزمن؟!
ويأتيك الجواب من الجنوب، هدير سلاسل، لا نسمة على محيّا حبيب ولا طير يشدو على فنن. صوت الجنوب هو صوت الساعة وكأنّنا في زمن غفا وأفاق بعد ألفين من سنوات نار ودخان. الأرض لن تعرف فيه سكينة، لا نصر ولا هزيمة. ما كان كائن، وروما لم تنه بعدُ حربك يا نيرون وأحفاد “ألعيزر” عازمون على بناء هيكل يستخلف ويمحو “الديار” أو لتكن المأساة فأنفاسها ما زالت تئن في “مسادا” الجنوب.
وجنوبنا كالشمال، كما جهات الريح كلها، دُحر.. للفاتحين الأرض وما عليها وما فيها ولها. ما كان معبدًا للبخور يصبح مقصفًا لرعاة الليل والمساجد تصبح كما يشاء قنّاصو القدر.
لا جديد على هذه الأرض! الفاتحون لها كسّابون، من يوم بيلاطس إلى يوم عبد الملك إلى يوم أوربانوس الثاني وهكذا في زمن بن غوريون، وطبعًا هناك عند الملا عمر. أمامكم التاريخ وقوله: كلما وطئت جيوش وفازت حلت مواسم الدم وقطف الرقاب واغتنى الفاتحون بما ظفروا وغنموا وتبقى القباب لتنطق بلغة القاهر الجديد والمستجدّ. تتغير الزينة على الحيطان والمداخل فما كان رسمًا لنجمة يصير صليبًا أو ما كان صرحًا لناقوس يصير من خيال أو مئذنة تصدح باسم الفاتح الحديث الناهي.
فالمسلمون خسروا مسجد مدينة بئر السبع عندما بطشت جيوش الغزاة وكذبت العرب، تآمر الغرب وتواطأت العجم. من عقود والمسجد سليب والمسلمون يغطّون في نوم، يتمنون فيه أن يحلموا فلا يصيبهم إلا الكوابيس والهرم. لماذا استنفرتم حناجركم يا سادة؟ هو عطش للكلام والزعيق لا وجع ولا هيام. فمنذ خمسة أعوام وإسرائيل تقيم مهرجان النبيذ في هذه الباحات وتحت ذات القبب. لماذا أفقتم اليوم وما كان العجب؟ أين كان هذا الضجيج وأين النصر المظفَّر الذي زفّت بشائره؟ لقد حاربتم الكرمة وخسرنا الكرم يا سادة.
هي ثلاث إشارات من علٍ. غاب في الأولى الموقف فغاب الحق وتشظّت الفضيلة، وغاب في الثانية صاحب الدير فجاء الصوت مبتورًا مزيّفًا، وفي الثالثة غاب القلب فتعلّق الرعاة على ذيل عنقود وأغفلوا الكرم. ثلاث تجارب من شيطان لن يدحر إلّا إذا عرفنا كيف نصون السناء ولا نطفئ اللهب.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة