الحكواتي : ظاهرة تراثية في طريقها الى الانقراض


الرابط : فن وثقافة :
نايف عبوش  – العراق :
امتاز رواة التراث،كما يعرف المخضرمون الذين عايشوهم،بأنهم كانوا عوارف زمانهم،محنكين بالفطرة،وحكواتييٍن بليغين بالسليقة،ونسابين معتبرين بالأثر.فكانوا لذلك كله يحظون بإعجاب سمارهم في الدواوين،ومحافل الوسط الاجتماعي العامة،لأنهم كانوا ينشرون بسردياتهم التراثية، وحكاياتهم الشعبية، البهجة والدعابة بين الناس المحيطين بهم في المجلس الذي كانوا يدعون له لأي مناسبة،او ذاك الذي اعتادوا ارتياده باختيارهم.
ولما كان فضاء التواصل محدودا ودافئا يومذاك،بسبب عدم اختراق الفضائيات،وشبكات الانترنت له بعد،فقد كانوا وحدهم مصدر المعلومة المتداولة، في تغذية وانعاش الذاكرة الجمعية للحضور،بأسلوبهم السردي الساحر،عندما كانوا يسترسلون مع جمهورهم بالحديث عن التراث،والديرة وعاداتها،وتقاليدها.فهم قد عاصروا الكثيرمن الاحداث، والشخصيات،والأعلام، والعوارف،وشاركوا في تسوية الكثير من الفصولات العشائرية،وحسم النزاعات الاجتماعية،لما تميزت به اراؤهم من حنكة،وما حظيت به فصولاتهم من مقبولية بين الجمهور،ومحبي التراث والمعجبين بتداول حكاياته في الاوساط الشعبية.
وكانوا في كل ما أبدعوه من الادب،والطرائف،والفكاهة،والأمثال، قصاصون تراثيون بارعون،اذ يجيدون بلباقة عالية، استخدام أدواتهم التعبيرية،بإيماءة اصبع،او طرفة عين،او هزة رأس،او ضحكة ساخرة،فيعرفون كيف يثيرون انتباه الجمهور،ويلفتون انظار الحضور اليهم بسليقتهم الشعبية المحببة،وحسهم المرهف،الذي كانوا يوظفونه بعفوية،في سرد حكاياتهم المبتكرة،او المنقولة اليهم سماعا عن الغير،والتي يستلونها من دهاليز ذاكرتهم بفطنة عالية،ويروونها لجمهورهم بكلمات عامية مموسقة،مليئة بالصور المعبرة،ومرصوفة بأناقة عالية،تقترب بجزالتها من ايقاع الشعر الشعبي.
وغالبا ما كانوا يستبقون حكاياتهم الشعبية قبل روايتها لجلاسهم،بأمثال بليغة،وثرية بمدلولاتها الرمزية،تعبيرا عن مراداتهم الحقيقية،يستجلبونها بمهارة دون عناء من اخاديد ذاكرتهم المتوقدة،او يبتكرونها بعفوية من عنديات قريحتهم،اذا ضاقت بهم ذاكرتهم في اللحظة،فعجزت عن امدادهم بما يناسب الحال من مقال،حتى ان جليسهم يخيل اليه من سحر الفاظهم،أنهم يستولدون تلك الالفاظ الغنية بالرمزية والدلالات،من جيوب جلابيبهم،في سرعة بديهة خارقة،لا نظير لها بين اقرانهم من متكلمي اليوم.ولقد كانوا يجمعون في ما أبدعوه،او تداولوه في ثقافتهم،من حكايات،وروايات،وقصص تراثية،والوان اخرى من القصيد،والعتابة،والنايل،والزهيري بين الطرافة،والتشويق،والحكمة،والمديح ،والنوادر،والمفارقات ،والمزاح،والفكاهة، والنكتة،بتلقائية بعيدة عن التصنع،سواء حكوها بقصد الترويح،او ساقوها للعبرة،او اطلقوها لمجرد المماحكة.      
ولعل ما حوته ذاكرتهم المثقلة بعناء السنين من معرفة متراكمة في شتى فنون التراث الشعبي،اضافة الى قدراتهم الشخصية  الابداعية على الحبك،هو ما اهل محكياتهم الظريفة،لان تكون مرجعا معتمدا في التراث الشعبي،حيث لا زال الناس يتداولونها على كل لسان، بإعجاب مفرط،بعد رحيلهم،ويستشهدون بها في مواجهة تأصيل الكثير من كيفيات الحال المستجدة،حتى لكأنهم قد سمعوها منهم للتو.
ومع ان غالبيتهم عرفوا بين الجمهور بفراستهم الحادة،ولسانهم الذلق في الرد على ما لا يروق للمناسبة من فلتات من جمهور الجلساء،او مماحكة البعض،لكنهم كانوا على درجة عالية من حسن المعشر،ولطف المزاح، فيعرفون كيف ومتى يخاطبون جلساءهم من الرواد،أو عابري السبيل،الذين اعتادوا ان يقصدوا مجالسهم من كل حدب وصوب،للاستمتاع بأحاديثهم الشيقة.
لقد تمكنوا بملكاتهم الروائية،وقدراتهم السردية،من ان يحتلوا مكانة راسخة في اعماق الذاكرة الجمعية الريفية لكل ديرة،لا ينازعهم فيها منافس،وإلى أمد قد يطول،فظلوا اعلاما تستدعيهم تلك الذاكرة للحضور، كلما انعقد مجلس سمر،وتناول فيه سماره،لمحة من تلك الموروثات التراثية،وذلك بالرغم من هيمنة ثقافة الفضائيات،ودردشات جدران المواقع الافتراضية على الشبكة العنكبوتية على الجمهور اليوم،حيث بدأت تحل تدريجيا محلهم، وتزيحهم قسرا عن مكانتهم التقليدية لصالحها كما هو معلوم للجميع.
وهكذا يبقى عوارف التراث،بما تركوه وراءهم للذاكرة الشعبية من مرويات،وحكايات،وأساطير،وخرافات،نماذج تراثية متميزة،وظاهرة اجتماعية متأصلة،تستحق تسليط الضوء عليها من قبل الدارسين،والباحثين،والمهتمين بالموروث الشعبي، بقصد توثيق ابداعات اولئك العوارف،واضاءة جوانب من خصائصهم الذاتية،التي اهلتهم لتبؤ تلك المكانة التراثية بجدارة، لاسيما وان ثقافة التراث بتداعيات العصرنة الجارفة،تتجه اليوم نحو الانحسار بتسارع ملفت للنظر.وباعتماد مثل هذا التوجه المسؤول،نضمن للأجيال المعاصرة،استمرار التواصل الحي مع اثار عمالقة التراث،قبل ان تندثر برحيلهم مع الزمن تلك الاثار،فتنطوي عند ذاك،صفحة مهمة من صفحات تراثنا الشعبي. 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة