الرابط: مواد وكتابات دينية
الدكتور عثمان قدري مكانسي
القرآن الكريم كتاب ربنا سبحانه وتعالى إلينا ، يهدينا بما فيه من حقٍ ووضوح إلى صراط  الله المستقيم ، ويفتح لنا بفضله وكرمه آفاق الحياة


                      
الرابط: مواد وكتابات دينية
الدكتور عثمان قدري مكانسي
القرآن الكريم كتاب ربنا سبحانه وتعالى إلينا ، يهدينا بما فيه من حقٍ ووضوح إلى صراط  الله المستقيم ، ويفتح لنا بفضله وكرمه آفاق الحياة على نهج مضيء ، وسبيل واضح .
     في الإنسان بذرة خير إن تعهدها بالعناية والرعاية زكت ونمت ، فأضفت على صاحبها من حوله الأمن والأمان والسعادة والهناء .
     وفيه بذرة شر إن أهملها ، ولم يلق إليها بالاً ، زاحمت بذرة الخير ودافعتها ، فإذا ساعدتها نوازع فاسدة ، كامنة في حنايا الإنسان اشتدت واستفحلت ، وبدا خطرها على صاحبها ومَنْ حوله ، فدبت الفوضى وضربت أطنابها في المجتمع .
     ومن طبْع الإنسان أن يعمل الخير ، لأن الله تعالى فطره على الهدى والصلاح ، ودله على طريقه .
     ومن طبعه أن يقع في الخطأ والتفلت والتهاون ، لأن الله تعالى خلقه من عجل ، وخلقه ضعيفاً يصيب الذنوب والآثام .
     لذلك كانت الجنة للتائبين العائدين إلى ربهم ، والنارُ للعاصين المتنكبين سبيل الهدى والرشاد.
     ونرى القرآن العظيم يستعمل أسلوب الترغيب والترهيب بمقدار ما يقوّم سلوك الإنسان ، فيمضي به إلى ما يرضي الله تعالى ، حتى إذا لقيه أجزل له الثواب ، ونجّاه من العقاب .
     وليس في القرآن ـ على الأغلب الأعم ـ آية ترغيب إلا تبعها ما فيه ترهيب ، وما من آية فيها ترهيب إلا تبعها ما فيه ترغيب .
     فالترغيب والترهيب متلازمان ، والحكمة في ذلك :
1ـ  التذكير الدائم بالثواب والعقاب ليظل الإنسان حريصاً على نيل المثوبة والبعد عن العقوبة .
2ـ  أن مَنْ لا يؤثر فيه الترغيب وثوابُه ، يؤثر فيه الترهيب وعقابُه .
     وإني لأعجب ممن يدعون الباع الطويل في التربية ، والخبرة المديدة في مضمارها أنهم يرفضون الترهيب أسلوباً للتربية ، ويكتفون بالترغيب زاعمين أن الخوف من العقاب يجعل صاحبه يلتزم ما يؤمر به ، وينتهي عما نهى عنه بالإكراه ، فإذا زال سبب الخوف تصلّف وعاد سيرته الأولى ، فهم ـ لذلك ـ يدأبون على نوع واحد من التربية هو الترغيب ، ويقولون إن الترهيب يخلق جيلاً جباناً معقداً . . . والردّ عليهم بسيط لأنه جواب الفطرة :
     أولاً : إن الله تعالى أعلم بالإنسان وما يقوّمه ، فهو الذي خلقه فقدّره ، يعلم ما يصلحه ، والقرآن الكريم الذي أنزله مَنْ يعلم السرَّ وأخفى مليء بالترغيب والترهيب .
     ثانياً : التربية غير محددة بزمان ولا مكان حتى نقول : إذا زال الخوف تفلّت وعاد سيرته الأولى ، فهما مستمرّان إلى آخر يوم من حياة الإنسان .
     كما أن الترغيب والترهيب لا ينبغي أن يكونا طارئين على حياة الإنسان ، إنما يجب أن يكونا من مكوّنات نفسه يصحبانه في حياته ، ويكونان دافعاً ذاتياً إلى الخير ، وكابحاً ضمنيّاً عن الشرّ .
     ثالثاً : إن الواقع ليكذَّب ادعاءاتهم ، فالحوافز ذات تأثير كبير في بذل الجهد للوصول إلى الهدف .
     لكنَّ الخوف من الوقوع في المحظور أكبر تأثيراً ، فقد تجد أناساً يبذلون الجهد ، ويسعَوْن بخطا حثيثة للوصول إلى الأحسن ، لكنك ترى عامّة الناس يبذلون الجهد ويثابرون على أمرٍ ما خوفَ الانتكاسة والعودة إلى الوراء ، والسقوطِ فيما يحذرونه ويتجنّبونه .
     فالترهيب كالترغيب تأثيراً ، والقرآن الكريم يتناولهما بمقدار يناسب المطلوب ، لأنهما كجرعة الدواء ، ينفع إذا استعمل بحكمةٍ ، ويضرُ إن زاد عن الحد .
     ـ فمن الأمثلة عليهما ، قوله تعالى مخاطباً الكفار الزاعمين أن القرآن مفترى :
     (( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
أ   ـ  فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
ب ـ  وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)
جـ ـ  فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ   (24) ))(1) .
     فهم لا يستطيعون إيجاد سورة واحدة تشابه صور القرآن الكريم ، ولو استعانوا بكل المخلوقات إنسهم وجنّهم . ولما كانوا ـ هكذا ـ عاجزين فليعلموا أن القرآن منزل من رب العالمين ، أما جزاء الكافرين فنار الله التي تأكل الحجارة لقوتها وشدتها ، فضلاً عن المجرمين الكافرين ، الذين عصوا الله ورسوله . ونعوذ بالله من عصيانه ، نشهد أنه الملك الجبار ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد . . . إنها كلمات تهزّ أرباب النهى وأصحاب العقول .
     فإذا ما أحسَّ الإنسان تلك الرعدة في قلبه جسمه ، وعلم أنه عاجز ضعيف التجأ إلى القوي العزيز فسمعه يقول :
     (( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
أ   ـ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
ب ـ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ
جـ ـ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا
د  ـ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ
هـ ـ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) ))(2) .
     فالآية : فيها بشرى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات .
     وهذه البشرى جنات ، وليست جنَّة واحدة ، فيها الماء الكثيرُ الزلالُ ، ثمارها تشبه في الصورة ثمار الدنيا ، ولكنَّ طعمها ولذّتها لا يعدِلُهما شيء . لهم في هذه الجنات نساء طاهرات زاكيات ، لسن كنساء الدنيا المرهقات بمطالبهن ، الكثيرات في إيذائهن حاشا الصالحات منهنّ.
     وليس في الجنة موت ، بل نعيم خالدٌ ، وحياة رغيدة تدوم أبد الآبدين ، وتزداد خيراً     وفضلاً . . نسأل الله أن يجعلنا من أهلها .
     فحين تعتري الإنسان هزة الخوف ، ويرتعد من عذاب الله إن كفر وضلَّ يجد السكينة والأمان في الإيمان بالله ، والعمل على مرضاته .
     ترغيب وترهيب يصوغان فكر الإنسان ، ويدفعانه للصواب والرشاد .
     ـ وتأمل معي التمازج الرائع بين الترغيب والترهيب في هذه الآيات الكريمة : (( يَا أَيُّهَا      الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً
     وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)
     وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)
     وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) ))(3) .
     فالجملة الأولى تحذير ، الثانية ترغيب والثالثة تحذير والرابعة ترغيب .تتابع الجمل محذرة ومرغّبة ، فتندمج الرغبة والرهبة في نفس المتلقي لتكوّن في ذبذباتها الصاعدة الهابطة انفعالاً في النفس المؤمنة ، فيتولد الحذر من سوء العاقبة ، والأمل في مآل طيّب حميد .
     ـ وقارن معي هاتين الآيتين في الوعد والجزاء : (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)
     وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) ))(4) .
أ ـ   فالذين آمنوا يقابلهم الذين كفروا .
ب ـ والذين عملوا الصالحات يقابلهم الذين كذّبوا بآياتنا .
جـ ـ والذين نالوا المغفرة والأجر العظيم يقابلهم أصحاب الجحيم .
     فاختر لنفسك ما يناسبك أيها الإنسان .
     ـ وانظر معي إلى هذا البيان الإلهي الدويّ : (( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) ))(5) .
هل جاءكم هذا البيـان ؟       وهل سمـعتُم الأذانْ ؟
إمــا عـــقــاب مـا حـقٌ       مـا بـيـن نـار ودخـانْ
أو رحمة لمـَن أطـاع         الله في روض الجنـان(6)
     ـ ومن الأمثلة في الترغيب والترهيب قوله تعالى : (( قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
أ   ـ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ
ب ـ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا
جـ ـ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) ))(7) .
     والبصيرة هنا القلبُ المستنير والعقلُ المدرك تأتيه الآيات البينات من ربه فَمَنْ آمن بها وعمل بتعاليمها أفاد نفسه ونجا ، ومن ضلَّ عنها وأنكرها خاب وخسر . . . وما على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا البلاغ .
     ـ ونجد في المعنى نفسه قول الله تعالى : (( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ
أ   ـ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)
ب ـ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) ))(8) .
     وهل أشد خسارة من أن يخسر الإنسان نفسه في جهنّم خالداً فيها . . ؟ !!.
     ـ وتعال معي أيها الإنسان ـ إن كنت لبيباً ـ إلى هذه الصورة ذات الشقين المختلفين :
     الصورة الأولى : (( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) ))(9) .
     هذه صورة النعيم للمؤمنين الذين أطاعوا الله ورسوله ، فما صورة الكافرين ؟! .
     الصورة الثانية : (( وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) ))(10) .
     فمن صد عن سبيل الله لعنه الله ، ومن لعنه الله كان من الخاسرين . . .
     ـ ومن الأمثلة الشديدة الوضوح قوله تعالى :
أ   ـ (( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ
ب ـ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ
جـ ـ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)

أ   ـ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا
ب ـ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا
جـ ـ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) ))(11) .
     فمن أي الفريقين أنت أيها القارىء الذكي ؟ !! .
     ـ والأشقياء مأواهم النار لهم من شدة كربهم زفيرٌ لا يخرج من نفوسهم إلا بشدة ، وقال بعض المفسرين : إن صراخ الكافرين في جهنم وأصواتهم صوت الحمير أوّله زفير وآخره شهيق       ـ والعياذ بالله ـ قال تعالى :
     (( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)
     خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ
     إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) ))(12) .
     والسعداء ـ جعلنا الله منهم ـ خالدون في جنة يأخذون ما آتاهم ربهم من فضل وعطاء  يتزايدان . . وعطاء الله لأوليائه يستمر أبد الآبدين .
     (( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) ))(13) .
     ـ وفي سورة الرعد مقدَّمة ُترهيب وترغيب ثم ذكرُ أسباب دخول الجنّة ، ثم بيانٌ لعذاب أهل النار مما يجعل أهل الألباب يسارعون إلى مرضاة الله . . ولكنْ إذا ضيّع الناس عقولهم ما يصنعون ؟ إنهم يقتدون بكل شيء دون فائدة .
     (( لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ
     لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)
     أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)
أ   ـ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)
ب ـ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
جـ ـ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
د  ـ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)
هـ ـ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ
و ـ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
ز ـ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً
ح ـ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
     أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) ))(14) .
أ   ـ ((وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ
ب ـ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
جـ ـ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) ))(15) .
     فلينظر أحدنا أيُّ الصفات تنطبق عليه ؟ وليعملْ لما ينجيه من عذاب الله .
     ـ ونسمع هنا صوت المولى عزَّ وجلَّ ـ نسمعه بأسماع القلوب الحساسة والأفئدة الصافية ـ يطلب إلى رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يخبر عباده بقدرته على العفو والمغفرة ـ لمن آمن واتقى ـ والعذاب والويل لمن كفر وطغى : (( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)
     وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) ))(16) .
     جملتان قصيرتان في اللفظ مليئتان في المعنى . .
     يــا ربّ فـاغـفــر ذنـبـنـا       أنــت الـكـريـــم الـغـافــر
     وارحــم إلــهـي ضـعـفنا       أنــت الـرحــيـــم الســاتر
     واهـد القـلـوب الحائرات       فـــأنـــت هـــــادٍ قـــــادر
     واكتـب لنا الجنات فضلاً       إن فــــضـــلــــك وافــــر
     واغـفـر بـحق المصطفى       ذنــبي فضعفي ظاهر(17)
     ـ يا أيها الإنسان إن كنت تريد الدنيا فقط فربما أعطيناك وربما منعناك ، وكنت من أهل النار تصلاها خاسئاً خائباً ، وإن كنت إنما تريد الآخرة وتعملُ لها بقلب مؤمن شكرنا لك همتك ، وأوصلناك إلى ما تريد (( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)
     وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) ))(18) ).
     ـ وهذه صورة أخرى توضح خاتمة كلٍّ من الفريقين .
     ( فاختر لنفسك يا إنسان ما نفعا ) .
     (( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
     فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
     إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا
     وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ
     بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)
     إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)
     أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ
     يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
     وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
     مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ
     نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) ))(19) .
     ـ وافتح أيها الأخ الكريم شاشة العرض ، علك ترى فترعوي ، فليس راءٍ كمن سمعا ، وتدبّر فأنت في دار الاختيار ، فاختر ما ينفعك في آخرتك ، وتعرّف على أحوال الكافرين ، وخذ العبرة منهم ، والتصق بالمؤمنين الأتقياء عسى الله أن يُلحِقَك بركبهم فتكون من المقبولين :
     (( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
     وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)
     وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)
     أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ
     إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)
     الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)
     أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ
     فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)
     ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) (20)))(21) .
     ـ وعاين أيها الأخ الحبيب مآل من كذّب باليوم الآخر ـ والعياذ بالله .
أ   ـ (( بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ
ب ـ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
جـ ـ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)
د  ـ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
هـ ـ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) ))(22) فهم حين أنكروا يوم البعث والنشور لم يعملوا له ، وأهملوه فكانت النتيجة :
أ   ـ أن جهنّم صارت لهم مآلاً .
ب ـ يسمعون غضبها وغليانها من بعد بعيد وهي تراهم وتتشوق إليهم وتنتظر الأمر بالتقاطهم .
جـ ـ يدخلونها مصفدين ، أيديهم إلى أعناقهم .
د  ـ يلقون فيها في مكان ضيّق يخنقهم .
هـ ـ يدعون على أنفسهم بالموت والهلاك دون فائدة .
و  ـ يسخر منهم الزبانية قائلين : ادعوا على أنفسكم كثيراً .
     (( قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16) ))(23) .
     فالمؤمنون نجوا من مصير الكفار المرعب ، وربحوا الجنّة وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فكانوا أهلها ينالون كل ما يتمنّون ، فالله تعالى وعد المؤمنين بها ، وكان حقاً عليه ما وعدهم إياه سبحانه وتعالى .
     اللهم اجعلنا من أهل خاصتك في الجنّة يا رب العالمين .
     ـ وفي سورة السجدة وصف للمؤمنين يؤهلهم لجنات الله ورضوانه عسانا نكون منهم (( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا
أ  ـ   خَرُّوا سُجَّدًا
ب ـ  وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
جـ ـ  وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15)
د ـ  تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ
هـ ـ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
و ـ  وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)
     فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) ))(24) .
     وتعال إلى وصف أهل النار أعاذنا الله من مصيرهم (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ
أ   ـ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
ب ـ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)
     وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)
     فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ              تَعْمَلُونَ (14) ))(25) .
     ـ ولفتة سريعة إلى صورة رائعة للمؤمنين في الجنة (( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) ))(26) .
     ـ ولفتة سريعة أخرى إلى لوحة كئيبة مزرية للكافرين في النار (( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) ))(27) .
     الأولى : صورة الأبرار من أهل السعادة ، وجوهم مشرقة مضيئة من أثر النعيم ، تنظر إلى جلال ربها ، وتهيم في جماله ، وهذا أعظم نعيم لأهل الجنة ، رؤية المولى جلّ وعلا  بلا    حجاب . . اللهم اجعلنا منهم ، فأنت ذو الفضل والكرم والعطاء والمنن .
     الثانية : صورة الكفرة ذوي الوجوه الكالحة العابسة ، وجوه الأشقياء من أهل الجحيم . يتوقعون أن تنزل بهم داهية عظمى ، تكسر فقار ظهورهم . . نسأل المولى النجاة من هذا المصير المرعب .
     وهكذا تتوالى آيات الترغيب والترهيب موضحةً نهاية كل من المؤمنين الصادقين والكافرين الضالين . تنذر وتحذر ، وتبشر وترغّب . . أما أهل البصائر ومَنْ هداهم الله فإلى رحمة الله ، وأما الآخرون ممن حقت عليهم كلمة العذاب ففي خسران :
     يــا رب إنـي مؤمـن        أجـوك أن تـغـفـر لـي
     أحـب أن تـعـفوَ عن       ما قـد بـدا مــن زلـلـي
     وحبُ طه واتباع الحـق       يـــحـــيـــي أمـــلــــي
     إنــي إلــيـه أنـتـمــي       فهبني حسن العمل(28)
18-9-2010