إنغلاق قناة السويس والخروج من عنق الزجاجة.. بقلم : بكر السباتين

دراسات …..
بقلم : بكر السباتين – الاردن …
صحيح بأن أزمة جنوح سفينة الحاويات “إم في إيفر غيفن” وتوقفها في عرض مجرى قناة السويس صباح الثلاثاء الماضي فأغلقته بالكامل قد انتهت؛ لكن ما حدث وضع مستقبل القناة على المحك، فقد عطّل إغلاقها الملاحة في الاتجاهين. وساهمت عشرات السفن، بما في ذلك سفن الحاويات الكبيرة الأخرى، والناقلات التي تحمل النفط والغاز والسفن التي تنقل الحبوب، في خلق واحدة من أسوأ اختناقات الشحن التي شُوهدت منذ سنوات.
فحادث إغلاق قناة السويس العرضي، نبه العالم إلى خطورة المساس بالمضائق البحرية أنّا وجدت من قبل الدول الكبرى وحلفائها.. كما شجع حلفاء تل أبيب على إحياء فكرة البحث في البدائل الإسرائيلية للقناة ما لم يتدارك المصريون الموقف بتطوير قناة السويس وسحب البساط من تحت أقدام المتربصين بمصر.
وكان رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع قد أعلن في بيان له عن “استئناف حركة الملاحة بقناة السويس يوم أمس الاثنين بعد نجاح الهيئة “بإمكانياتها” في إنقاذ وتعويم سفينة الحاويات إيفر غيفن” (Ever Given)، في الوقت الذي أكدت فيه الشركة المشغلة للسفينة نجاح إعادة تعويمها بقناة السويس.
واستؤنفت حركة الملاحة في الممر الملاحي الدولى الذي أدى إغلاقه إلى خسائر بمليارات الدولارات.
وقناة السويس هي ممر مائي اصطناعي ضيق، ازدواجي المرور، يبلغ طولها 193 كم وتشق طريقها عبر مصر بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، لتسمح بعبور السفن في اتجاهين في نفس الوقت بين كل من أوروبا وآسيا، وتعتبر أسرع ممر بحري بين القارتين وتوفر نحو 15 يوماً في المتوسط من وقت الرحلة عبر طريق رأس الرجاء الصالح.. بمعنى أن فاتورة التكلفة على البضائع المحمولة ستكون أقل الأمر الذي سينعكس إيجابياً على سعر التجزئة في الدول المستوردة، وهو أمر لمسناه نحن في الأردن لولا فرج الله الذي أدى إلى تعويم السفينة وحل الأزمة.. وكانت هيئة قناة السويس قد أوقفت رسميًا الخميس الماضي، حركة المرور في الممر المائي مع استمرار الجهود لإزاحة السفينة عن طريق أحد أكثر طرق التجارة ازدحامًا في العالم حتى نجحت في ذلك.
إذ تعد قناة السويس إحدى أهم المجاري البحرية في العالم، حيث بلغت إيرادات القناة في العام المالي (2014 – 2015) نحو 39 مليار جنيه مصري. ويمر عبر القناة ما بين 8% إلي 12% من حجم التجارة العالمية..
ويشار إلى أن ما يقرب من 30٪ من حجم حاويات الشحن في العالم يمر عبر قناة السويس، البالغ طولها 193 كيلومترًا (120 ميلًا) يوميًا، وحوالي 12٪ من إجمالي التجارة العالمية لجميع السلع.
وفكرة قناة السويس فرعونية قديمة، لكنها راودت نابليون إبان استعماره لمصر ولم تتحقق، إلى أن جاء الفرنسي دي لسبس الذي استطاع عام 1854من إقناع محمد سعيد باشا بالمشروع وحصل على موافقة الباب العالي، فقام بموجبه بمنح الشركة الفرنسية برئاسة دي لسبس امتياز حفر وتشغيل القناة لمدة 99 عام. استغرق بناء القناة 10 سنوات (1859 – 1869)، بذل فيها المصريون من وقتهم وعرقهم ودمهم الكثير، حيث ساهم في عملية الحفر ما يقرب من مليون عامل مصري، مات منهم أكثر من 120 ألف أثناء عملية الحفر نتيجة الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة التي خضعوا لها من قبل المنتفعين الأجانب وأصحاب القرار المجييرين للمستعبر الذي كان همه يكمن بالربح الوفير وإحكام السيطرة على المعابر . وتم افتتاح القناة عام 1869 في حفل مهيب وبميزانية ضخمة. وفي عام 1905 حاولت الشركة الفرنسية تمديد حق الامتياز 50 عاماً إضافية إلا أن تلك المحاولة لم تنجح مساعيها. وفي يوليو عام 1956 قام الرئيس عبد الناصر باتخاذ قراره التاريخي الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، وذلك بتأميم قناة السويس، والذي تسبب في إعلان بريطانيا وفرنسا بمشاركة دولة الاحتلال الإسرائيلي الحرب على مصر ضمن العدوان الثلاثي والذي انتهى بانسحابهم تحت ضغوط دولية ومقاومة شعبية.
وظلت القناة هدفاً إسرائيلياً حيث تسببت حرب 1967 في إغلاق قناة السويس لأكثر من ثماني سنوات وظلت تعتبر كحدود مائية غير فاعلة اقتصادياً، حتى قام الرئيس السادات بإعادة افتتاحها بعد تنظيفها من العوائق والألغام والسواتر الرملية في يونيو 1975، عقب انتصار مصر وسوريا على دولة الاحتلال في حرب أكتوبر عام 1973. حيث شهدت القناة بعد ذلك عدة مشاريع لتوسيع مجراها وتقليل وقت عبورها بدأت عام 1980 وكان آخرها في 6 أغسطس 2015 مع افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة.
وبعد حادثة إغلاق القناة الاثنين الماضي بدأ الإسرائيليون يروجون لخيار القناة البديلة التي بدأت في خطوات عملية منذ ستينيات القرن الماضي.. فقد نشرت صحيفة “بيزنس إنسايدر” (Business Insider) الرقمية مذكرة -رفعت عنها السرية- قالت “إن الولايات المتحدة درست اقتراحا باستخدام 520 قنبلة نووية لصنع بديل عن قناة السويس عبر إسرائيل في ستينيات القرن الماضي”.
وهو مشروع بديل أشاد به المؤرخ أليكس ويلرشتاين في تغريدة له على موقع تويتر يوم الأربعاء الماضي، قائلاً بأنه “اقتراح متواضع لوضع قناة السويس”.. والمشروع الأمريكي الإسرائيلي القديم المقترح لم يأخذ بعين الاعتبار حدوث كارثة بيئية محتملة بسبب النشاط الإشعاعي الذي كان سينجم عن ذلك وخاصة أن المنطقة المقترحة محاطة بالمدن الفلسطينية المأهولة المحتلة.
وذكرت الصحيفة الأميركية أن الخطة قد جمدت لظروف قاهرة. وعلقت الصحيفة بأن وجود ممر مائي بديل عن قناة السويس كان من الممكن أن يكون مفيداً اليوم مع وجود سفينة شحن عالقة في المسار الضيق وتسد أحد أكثر طرق الشحن البحري حيوية في العالم.
هذا استهداف إعلامي لقناة السويس بغية التركيز على الخيارات الإسرائيلية التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي وضعها على الطاولة وبحث تنفيذها مع الإضرار بسمعة قناة السويس في أنها أصبحت عاجزة عن تلبية متطلبات التطور المتسارع في وسائل الشحن البحري عالمياً.
ووفقا لمذكرة صدرت عام 1963 من مختبر لورانس ليفرمور الوطني المدعوم من وزارة الطاقة الأميركية (رفعت عنها السرية في عام 1996)، تم اقتراح مشروع القناة أعلاه التي كان سيتم حفرها “على مستوى البحر بطول 160 ميلاً عبر إسرائيل”.. وجاء في التقرير أن خطة حفر قناة البحر الميت البديلة عبر النقب (تم إحياءها من جديد في الربع الأخير من القرن الماضي) “يعتمد تنفيذها على استخدام 520 قنبلة نووية لشق الممر المائي”.
وفي المحصلة، فكل ما أخشاه أن تتظافر الجهود الإقليمية من جديد ممثلة بالكيان الإسرائيلي وحلفائه الذين ساهموا بتمويل سد النهضه للاستثمار باتجاه شق قناة جديد بديلاً عن قناة السويس أو الربط بين خليجي إيلات وأسدود من خلال سكة الحديد.. ولا بأس إن ذهبت مصر الى الجحيم في عالم تسوده النفعية وشريعة الغاب.
وعليه فلا بد من قيام مصر بتطوير قناة السويس قبل أن يسحب البساط من تحت أقدامها.. القناة البديلة مشروع أشد خطورة من سد النهضة بل أنه يمثل الضربة القاضية لدولة يعتمد جزء كبير من اقتصادها على عائدات هذه القناة الأهم في العالم.. ولنعتبر بأن التداعيات التي رافقت حادث إغلاق القناة الأخيرة يمثل ناقوس خطر يدق في الوقت المناسب. ولكم في سد النهضة عبرة فلا تدعوا المياه تجري من تحتكم دون اتخاذ ما يلزم والوقت متاح لذلك.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة