القواعد العسكرية خارج الحدود – (النشأة والأهداف والنوايا) بقلم : محمد عبد الكريم يوسف

دراسات ….
بقلم محمد عبد الكريم يوسف – كاتب سوري …
تمتلك الولايات المتحدة قواعد عسكرية أجنبية أكثر من أي شعب أو أمة أو إمبراطورية أخرى في التاريخ.
ومع قيام الجيش الأمريكي بسحب العديد من قواته من العراق وأفغانستان ، وربما من سورية في المستقبل القريب قد يكتشف المواطن الأمريكي مقدار جهله في أن مئات القواعد الأمريكية ومئات الآلاف من القوات الأمريكية لا تزال تطوق العالم من كل حدب وصوب . قليل من الناس يعرفون أن الولايات المتحدة تطوق هذا الكوكب على عكس أي دولة في التاريخ من هندوراس إلى عمان ، ومن اليابان إلى ألمانيا ، ومن سنغافورة إلى جيبوتي.
يصف الباحث والمستشار السابق في وكالة المخابرات المركزية تشالمرز جونسون القواعد الأمريكية العسكرية في الخارج عندما كتب في عام 2004 ، “على عكس الشعوب الأخرى ، لا يدرك معظم الأمريكيين – أو لا يريدون الاعتراف – أن الولايات المتحدة تهيمن على العالم من خلال قوتها العسكرية. وبسبب السرية الحكومية ، غالبًا ما يجهل مواطنونا حقيقة أن حامياتنا العسكرية تطوق الكوكب “.
قد لا يخطر ببال المواطن الأمريكي العادي ودافع الضرائب بقاعدتهم الشعبية الواسعة أن يسأل نفسه عن أهمية هذه القواعد ومدى فائدتها للأمن القومي الأمريكي والسلام العالمي ، رغم أن القادة الأمريكيين يكررون الادعاء تلو الادعاء بأن هذه القواعد على غاية من الأهمية منذ الحرب العالمية الثانية والأيام الأولى للحرب الباردة وسباق التسلح وانهيار الاتحاد السوفياتي والحرب على الإرهاب . ونتيجة تكرار المقولات والفرضيات والأخطار المحدقة بالولايات المتحدة يعتبر الأمريكيون هذه القواعد وضعا طبيعيا ويتقبلون وجود منشآت عسكرية بأعداد مذهلة في بلدان أخرى، وعلى أراضي شعوب أخرى غير الشعب الأمريكي . السؤال الأخر هو : هل يتقبل الأمريكي فكرة وجود قواعد أجنبية على الأراضي الأمريكية ؟ بكل تأكيد الفكرة غير واردة في المدى المنظور.
لا توجد قواعد أجنبية قائمة بذاتها بشكل دائم في الولايات المتحدة على الاطلاق ، بينما يوجد الآن حوالي 800 قاعدة أمريكية في البلدان الأجنبية. وبعد سبعين عامًا من الحرب العالمية الثانية و 62 عامًا بعد الحرب الكورية ، لا يزال هناك 174 قاعدة أمريكية في ألمانيا ، و 113 قاعدة في اليابان ، و 83 قاعدة في كوريا الجنوبية ، وفقًا لتقارير البنتاغون الرسمية . ينتشر المئات من القواعد الأمريكية الأخرى على الكوكب في حوالي 80 دولة ، بما في ذلك أوروبا وأستراليا والبحرين وبلغاريا وكولومبيا وكينيا وقطر والعراق وتركيا وسورية إضافة إلى الكيان الإسرائيلي ، من بين العديد من الأماكن الأخرى غير المسجلة أو المعترف بها رسميا . على الرغم من أن قلة من الأمريكيين يدركون ذلك ، فمن المحتمل أن يكون للولايات المتحدة قواعد في أراض أجنبية أكثر من أي شعب أو أمة أو إمبراطورية أخرى في التاريخ القديم والمعاصر .
ومع ذلك ، فمن الغريب أن وسائل الإعلام الرئيسية الأمريكية نادراً ما تقوم بالإبلاغ أو التعليق على هذه القضية. لسنوات عديدة ، وخلال المناقشات حول إغلاق السجن في القاعدة الأمريكية في خليج غوانتانامو في كوبا، يتساءل المرء لماذا الولايات المتحدة لديها قاعدة على الأراضي الكوبية وهي قريبة من الولايات المتحدة . لكن نادرًا ما يسأل أحد ما إذا كانت أمريكا بحاجة إلى هذه القاعدة و مئات القواعد في الخارج أو إذا كان بوسع الولايات المتحدة أن تتحملها بتكلفة سنوية تقدر بنحو 156 مليار دولار أو أكثر . و نادرًا ما يتساءل أي شخص أمريكي كيف سيشعر إذا قامت الصين أو روسيا أو إيران ببناء قاعدة واحدة في أي مكان بالقرب من حدود الولايات المتحدة . بكل تأكيد ستحدث أزمة دولية شديدة الانفجار وسيشعر المواطن الأمريكي بكل أشكال الرعب والهلع والخوف.
يصر تشالمرز جونسون على أنه “بدون استيعاب أبعاد هذا العالم البالتسي البائس الذي يحيط بالكرة الأرضية ، لا يمكن للمرء أن يبدأ في فهم حجم وطبيعة تطلعاتنا الإمبريالية أو الدرجة التي يؤدي بها نوع جديد من العسكرة إلى تقويض نظامنا الدستوري”. قد يستغرق الأمر سنوات في محاولة تتبع وفهم ما أسماه تشالمرز جونسون ” إمبراطورية القواعد العسكرية “. في حين أن المنطق قد يبدو وكأنه يوحي بأن هذه القواعد تجعل الأمريكي أكثر أمانًا ، لكن ما يحصل هو نتيجة معاكسة: فمن خلال مجموعة من الوسائل والرسائل والقراءات ، جعلت القواعد العسكرية الخارجية المواطن الأمريكي أقل أمانًا ، مما أضر بالكثير من الأفراد العسكريين الأمريكيين وعائلاتهم إضافة إلى السكان المحليين الذين يعيشون بالقرب من هذه القواعد حيث التلوث بالضجيج والضوء والمعاناة من القلق الدائم .
يعمل المشرع الأمريكي على جعل الولايات المتحدة دولة أساسية تمتد على طول العالم وعرضه ، وقد مضى وقت طويل على مواجهة هذه الحقيقة ، فهل تحقق جزء منها ؟
لقد تأسست القواعد العسكرية الأمريكية البالغ عددها 800 قاعدة خارج الولايات الخمسين وواشنطن العاصمة بجميع الأحجام والأشكال. ويأتي بعضها بحجم المدينة الكبيرة مثل قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا ، وقاعدة كادينا الجوية في أوكيناوا ، وقاعدة البحرية والقوات الجوية المجهولة الحجم والنشاط في دييجو غارسيا في المحيط الهندي. وقد تم دعم هذه القواعد ببنية تحتية من المدارس والمستشفيات ومحطات الطاقة والمجمعات السكنية ومجموعة من وسائل الراحة التي يشار إليها غالبًا باسم “برغر كينغز وأزقة البولينغ”. ومن بين أصغر المنشآت الأمريكية على مستوى العالم قاعدة ” وسادة الزنبق” المعروفة أيضًا باسم” مواقع الأمن التعاوني “، والتي تميل إلى إيواء الطائرات بدون طيار أو طائرات المراقبة أو الأسلحة والإمدادات الموجودة مسبقًا. يتواجد هذا النوع من القواعد بشكل متزايد في أجزاء من إفريقيا وأوروبا الشرقية التي كانت تفتقر في السابق إلى الكثير من الوجود العسكري الأمريكي.
تشمل المرافق الأمريكية الأخرى المنتشرة في جميع أنحاء العالم الموانئ والمطارات ومجمعات الصيانة و الإصلاح ومناطق التدريب ومنشآت الأسلحة النووية ومواقع اختبار الصواريخ والترسانات العسكرية والمستودعات والثكنات والمدارس العسكرية ومراكز التنصت والاتصالات ومجموعة متزايدة من قواعد الطائرات بدون طيار، يضاف إليها المستشفيات والسجون العسكرية ومرافق إعادة التأهيل وقواعد وكالة المخابرات المركزية شبه العسكرية ومنشآت الاستخبارات بما في ذلك سجون “الموقع الأسود” السابقة التابعة لوكالة المخابرات المركزية إضافة إلى وظائفها العسكرية وحتى المنتجعات العسكرية الأمريكية ومناطق الاستجمام في أماكن مثل جبال الألب البافارية وسيول بكوريا الجنوبية و هي قواعد عسكرية من نوع ما كما يدير الجيش الأمريكي حوالي 170 ملعبا للغولف في جميع أنحاء العالم .
إن وجود البنتاغون في خارج الولايات المتحدة هو في الواقع أكبر من تواجده في الداخل أو على الحدود السياسية . هناك قوات أمريكية أو أفراد عسكريون آخرون في حوالي 160 دولة ومنطقة أجنبية ، بما في ذلك أعداد صغيرة من مشاة البحرية يحرسون السفارات وعمليات نشر أكبر للمدربين والمستشارين كما حصل في العراق حيث يتواجد حوالي3500 عسكري أمريكي يعملون الآن مع الجيش العراقي ، كما يجب أن لا ننسى حاملات الطائرات التابعة للبحرية الأمريكية وعددها إحدى عشر حاملة . ويجب اعتبار كل منها نوعًا من القواعد العائمة فوق المياه والجاهزة للتحرك إلى أي مكان تريده الولايات المتحدة ، أو كما تشير البحرية بوضوح إليها قائلة كل حاملة منها تبلغ مساحتها ، “أربعة ونصف فدان من الأراضي الأمريكية ذات السيادة”. ويجب أن لا ننسى أخيرًا أن المرء يجد وجودًا عسكريًا أمريكيا متزايدًا في الفضاء .
ومع ذلك ، فإن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تسيطر على قواعد عسكرية خارج أراضيها. لا يزال لدى بريطانيا العظمى نحو سبع قواعد ولدى فرنسا خمس قواعد في مستعمرات سابقة. أما روسيا فتمتلك حوالي ثماني قواعد في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق إضافة إلى قاعدة عسكرية في حميميم السورية . ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية ، تمتلك “قوات الدفاع الذاتي” اليابانية قاعدة عسكرية خارجية في جيبوتي في القرن الأفريقي ، إلى جانب القواعد الأمريكية والفرنسية والصينية هناك. أما كوريا الجنوبية و الهند و شيلي و تركيا و الكيان الإسرائيلي فلديها قاعدة عسكرية خارجية واحدة على الأقل في مكان ما من العالم . هناك أيضا تقارير تفيد بأن الصين تسعى قاعدتها العسكرية الأولى في الخارج ، إضافة إلى العديد من القواعد البحرية اللوجستية التي أسستها الصين مسبقا في أكثر من مكان ( اليونان مثلا) . و من المحتمل أن يكون لدى هذه الدول حوالي 30 قاعدة عسكرية في الخارج ، مما يعني أن الولايات المتحدة لديها ما يقرب من 95 ٪ من القواعد العسكرية الخارجية في العالم.
على الرغم من أن الولايات المتحدة لديها قواعد في أراض أجنبية بعد فترة وجيزة من حصولها على استقلالها ، لم يكن من الممكن تخيل أي شيء مثل الانتشار العالمي الهائل للقوة العسكرية اليوم منذ الحرب العالمية الثانية. في عام 1940 ، وبومضة عين ، وقع الرئيس فرانكلين روزفلت صفقة ” مدمرات مقابل قواعد ” مع بريطانيا العظمى والتي مُنحت الولايات المتحدة على الفور عقود إيجار لمنشآت في المستعمرات البريطانية في جميع أنحاء العالم لمدة 99 عامًا. وتسارعت عمليات الاستحواذ على القواعد والبناء بسرعة بمجرد دخول البلاد في الحرب. بحلول عام 1945 ، كان الجيش الأمريكي يبني منشآت القواعد العسكرية على مدى 112 شهر. وبحلول نهاية الحرب ، تجاوز العدد الإجمالي العالمي للقواعد العسكرية الأمريكية 2000 موقع. وفي غضون خمس سنوات فقط ، طورت الولايات المتحدة أول شبكة قواعد عالمية حقيقية في التاريخ ، وألقت بظلالها على شبكة الإمبراطورية البريطانية التي “لم تغرب الشمس عليها أبدًا”.
وبعد الحرب العالمية ، أعاد الجيش حوالي نصف المنشآت إلى بريطانية ولكنه احتفظ بما يسمى “مؤسسة دائمة” للقواعد العسكرية الأمريكية في الخارج. وارتفع عددها خلال الحربين في كوريا وفيتنام ، ثم عاد للانخفاض بعد نهاية كل منهما. وبحلول الوقت الذي انهار فيه الاتحاد السوفيتي في عام 1991 ، كان هناك حوالي 1600 قاعدة أمريكية في الخارج ، وحوالي 300000 جندي أمريكي متمركزين في القواعد الموجودة في أوروبا وحدها.
وعلى الرغم من أن الجيش الأمريكي أخلى حوالي 60٪ من حامياته الخارجية في التسعينيات ، إلا أن البنية التحتية الأساسية الشاملة لهذه القواعد ظلت سليمة نسبيًا. وعلى الرغم من إغلاق القواعد الإضافية في أوروبا وبدرجة أقل في شرق آسيا خلال العقد الماضي ، وعلى الرغم من عدم وجود خصم نشيط للولايات المتحدة من القوة العظمى ، لا يزال هناك ما يقرب من 250 ألف جندي ينتشرون في منشآت أمريكية في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من وجود حوالي نصف عدد القواعد التي كانت موجودة في عام 1989 فقط ، فقد تضاعف عدد الدول التي لديها قواعد أمريكية تقريبًا من 40 إلى 80 . وفي السنوات الأخيرة بدءا من فترة الرئيس أوباما ، كان “محور المحيط الهادئ” للرئيس أوباما يعني مليارات الدولارات في الإنفاق المسرف في آسيا ، حيث كان للجيش بالفعل مئات القواعد وعشرات الآلاف من القوات. وتم تخصيص مليارات أخرى لبناء بنية أساسية دائمة لا مثيل لها في كل دولة من دول الخليج العربي باستثناء إيران. في أوروبا ، أنفق البنتاغون المليارات على إقامة قواعد جديدة باهظة الثمن في نفس الوقت الذي كان يغلق فيه قواعد أخرى.
ومنذ بداية الحرب الباردة ، ظلت فكرة أن يكون لدى الولايات المتحدة مجموعة كبيرة من القواعد ومئات الآلاف من القوات المتمركزة بشكل دائم في الخارج ، مبدأ شبه ديني لسياسة الأمن الخارجي والقومي. تُعرف هذه الفكرة التي يبلغ عمرها 70 عامًا تقريبًا والتي يقوم عليها هذا الاعتقاد الراسخ باسم ” الاستراتيجية المستقبلية “. وفي الأصل ، كانت هذه الاستراتيجية تنص على أن الولايات المتحدة يجب أن تحافظ على عدد كبير من القوات الأمريكية والقواعد العسكرية في أقرب مكان ممكن من الاتحاد السوفيتي لتطويق و “احتواء” رغبته المفترضة في التوسع.
لكن اختفاء قوة عظمى أخرى ( الاتحاد السوفيتي ) تخطط الولايات المتحدة لاحتوائها لم يحدث فرقًا ملحوظًا في الاستراتيجية الأمريكية الأمامية. المثير للقلق هو أن عدد القواعد وطريقة الانتشار ونموها لم يتغير رغم انهيار العدو المفترض.
وبعد عقدين من زوال الاتحاد السوفيتي ، لا يزال المفكرون الأمريكيون من مختلف الأطياف السياسية يفترضون بلا ريب أن القواعد الخارجية والقوات المنتشرة في الأمام ضرورية لحماية البلاد من خطر قد ينشأ صدفة ويهدد أمن البلاد. كانت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش نموذجية في الإصرار على أن القواعد في الخارج مدعية أنها “تحافظ على السلام” ، وصارت “رمزا … لالتزامات الولايات المتحدة تجاه الحلفاء والأصدقاء”. وبالمثل ، أعلنت إدارة أوباما لاحقا أن حماية الشعب الأمريكي والأمن الدولي “تتطلب موقفًا أمنيًا عالميًا”. أما إدارة الرئيس ترامب فقد لمحت إلى أن هذه القواعد ليست مجانية ويجب على الدول المضيفة أن تدفع نفقات وأجور وتكاليف هذه القواعد.
ظل دعم الاستراتيجية المستقبلية يستحوذ الاجماع بين السياسيين من كلا الحزبين ، وخبراء الأمن القومي والمسؤولين العسكريين والصحفيين وكل شخص آخر تقريبًا في هيكل السلطة في واشنطن. لطالما تعرضت المعارضة من أي نوع لهذه القواعد للنقد من الحزبين الحاكمين مع الاصرار على أن وجود هذه القواعد والقوات في الخارج مثالية للسلام أو وتقليصها نوع من الانعزالية التي سمحت لهتلر بغزو أوروبا.
هناك من يشكك بجدوى الواقع الراهن لهذه القواعد كونها مكلفة جدا للولايات المتحدة حتى عندما تقوم الدول المضيفة مثل اليابان وألمانيا بتغطية بعض تكاليف القواعد العسكرية الأمريكية إذ لا يزال دافعو الضرائب الأمريكيون يدفعون في المتوسط سنويًا ما بين 10،000 دولار إلى 40،000 دولار إضافي سنويًا لنشر أحد أفراد الجيش في خارج الولايات المتحدة. إن تكلفة النقل ، وارتفاع تكلفة المعيشة في بعض البلدان المضيفة ، والحاجة إلى توفير المدارس والمستشفيات والسكن وغيرها من أشكال الدعم لأفراد عائلات الأفراد العسكريين يعني أن الدولارات تزداد بسرعة خاصة مع تواجد أكثر من نصف مليون من أفراد القوات وأفراد الأسر والموظفين المدنيين في قواعد بالخارج.
وتبلغ تكلفة صيانة المنشآت والقوات في الخارج ما لا يقل عن 85 مليار دولار في عام 2020 – وهي أكثر من الميزانية التقديرية لكل وكالة حكومية باستثناء وزارة الدفاع نفسها. وإذا تم تضمين الوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق وسورية ، فإن تلك الفاتورة تصل إلى 156 مليار دولار أو أكثر. من جانب أخر ، قد تكون هذه القواعد مكلفة لدافعي الضرائب الأمريكيين ولكنها مفيدة للولايات المتحدة في أعمال القرصنة التي تقوم بها في القرن الحادي والعشرين كما أنها تشغل قطاعات واسعة من الصناعات المدنية الأمريكية التي تفوز بعقود بمليارات الدولارات للصيانة والبناء والتطوير والدعم اللوجستي .
وفي الوقت نفسه ، فإن العديد من المجتمعات التي تستضيف القواعد في الخارج لا تلحظ أبدًا المكاسب الاقتصادية غير المتوقعة التي يعد بها القادة الأمريكيون والمحليون بانتظام. فقد شهدت بعض المناطق ، ولا سيما في المجتمعات الريفية الفقيرة ، طفرات اقتصادية قصيرة الأجل تطورت من خلال بناء القواعد ومصروفاتها اللحظية . ولكن على المدى الطويل ، نادرًا ما تخلق معظم القواعد العسكرية الخارجية اقتصادات محلية مستدامة وصحية لأنها تمثل استخدامات غير منتجة للأرض ، وتوظف عددًا قليلاً نسبيًا من الناس للمساحات المشغولة ، ولا تساهم إلا قليلاً في النمو الاقتصادي المحلي ( الاقتصاد الموازي) . وقد أظهرت الأبحاث باستمرار أنه عندما تم تأسيس قواعد في بعض المجتمعات حدث تأثير اقتصادي محدود اقتصر في أعظم حالاته الإيجابية على أفراد محليين يعملون في هذه القواعد بشكل محدود وأفراد يتاجرون بخدمات الإسكان والمدارس والمجتمعات التجارية وأشكالا تنموية أقل أهمية .
وفي الوقت نفسه ، بالنسبة للولايات المتحدة ، فإن استثمار أموال دافعي الضرائب في بناء وصيانة القواعد الخارجية يعني التخلي عن الاستثمارات في مجالات مثل التعليم والنقل والإسكان والرعاية الصحية ، على الرغم من حقيقة أن هذه الصناعات هي أكثر نعمة للإنتاجية الاقتصادية الشاملة وخلق وظائف مقارنة مع ما يعادل الإنفاق العسكري ، ولو توقفت هذه القواعد ستتوقف معها خدمة 85 مليار دولار سنويا بالنسبة للصناعات المحلية الأمريكية .
يضاف إلى التكاليف المالية التكاليف البشرية الكبيرة التي تتكبدها عائلات العسكريين من معاناة شديدة من انتشار القواعد في الخارج يأتي في طليعتها ضغوط الانتشار البعيد والانفصال الأسري والتحركات المتكررة والمتغيرة . تساهم القواعد العسكرية الخارجية أيضًا من زيادة مروعة في التحرش الجنسي بين صفوف العسكريين و يُقدَّر أن 30٪ من المجندات يقعن ضحية التحرش الجنسي أو الاغتصاب خلال فترة خدمتهن في الجيش، ويحدث عدد غير متناسب من هذه الجرائم في القواعد العسكرية في الخارج. وقد لوحظ انتشار صناعة الدعارة خارج بوابات القواعد الأمريكية في أماكن مثل كوريا الجنوبية ، حيث غالبًا ما يجد المرء صناعات دعارة استغلالية موجهة لأفراد الجيش الأمريكي.
تسببت القواعد في جميع أنحاء العالم بحدوث أضرار بيئية واسعة النطاق بسبب التسربات السامة والحوادث ، وفي بعض الحالات الإغراق المتعمد للبيئة المحيطة بالمواد الخطرة. لطالما أغضبت جرائم الجنود الأمريكيين السكان المحليين. فقد حدث في أوكيناوا وأماكن أخرى من العالم أن ارتكبت القوات الأمريكية بشكل متكرر أعمال اغتصاب مروعة ضد النساء المحليات. وفي غرينلاند و جزيرة دييغو غارسيا الاستوائية ، قام الجيش الأمريكي بتشريد مئات السكان المحليين من أراضيهم لبناء قواعده العسكرية.
تتذرع الولايات المتحدة دائما أنها تنشر الديمقراطية في العالم بينما في حقيقية الأمر تقوم القواعد العسكرية الأمريكية بدعم الدول غير الديمقراطية في الكثير من الأحيان مثل بعض دول الخليج العربي وفي أفغانستان . لقد خلقت القواعد العسكرية الأمريكية أرضًا خصبة لتكاثر التطرف ومعاداة أمريكا. وقد كان وجود القواعد العسكرية الأمريكية بالقرب من الأماكن المقدسة الإسلامية في المملكة العربية السعودية أداة تجنيد رئيسية للقاعدة وجزءًا من الدافع المعلن لأسامة بن لادن لهجمات 11 أيلول 2001.
وعلى الرغم من أن هذا النوع من الاضطرابات الدائمة لا يُلاحظ كثيرًا في داخل البلاد التي تتواجد فيها ، إلا أن القواعد في الخارج كثيرًا ما تولد مظالم واحتجاجات وعلاقات عدائية. وعلى الرغم من أن القليل يدرك ذلك ، إلا أن القواعد العسكرية الأمريكية هي جزء كبير من الصورة التي تقدمها الولايات المتحدة للعالم وغالبًا ما تظهر لنا في نموذج غير مبهج للغاية.
ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كانت القواعد تعزز الأمن القومي والسلام العالمي بأي شكل من الأشكال. وفي ظل غياب عدو حقيقي من القوى العظمى للولايات المتحدة ، فإن الحجة القائلة بأن إنشاء قواعد على بعد عدة آلاف من الأميال من شواطئ الولايات المتحدة ضروري للدفاع عن الولايات المتحدة و حلفائها هي حجة غير مقنعة . بل على العكس من ذلك ، فإن القواعد العسكرية المنتشرة في العالم مكّنت الولايات المتحدة بشكل عام من شن تدخلات عسكرية وضربات بطائرات بدون طيار وحروب عبثية أسفرت عن كوارث متكررة أودت بحياة الملايين ودمار لا يوصف من فيتنام إلى العراق إلى سورية .
وضمنت القواعد العسكرية الخارجية من خلال تسهيل شن الحروب الخارجية أن العمل العسكري هو خيار أكثر جاذبية من الخيارات الأخرى و غالبًا الخيار الوحيد الذي يمكن تخيله في عقول صانعي السياسة الأمريكيين. تقول عالمة الانثروبولوجيا الأمريكية كاثرين لوتز : “عندما تكون الأدوات في السياسة الخارجية هي المطرقة، فإن كل شيء يبدو وكأنه المسمار. وفي نهاية المطاف ، نجد أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج جعلت احتمال الحرب أقوى من احتمال السلام.”
يرد مؤيدو الاستراتيجية المستقبلية التي عفا عليها الزمن بأن القواعد الخارجية “تردع” الأعداء وتساعد في الحفاظ على السلام العالمي. وباعتبارهم من المؤيدين للوضع الراهن ، فقد ظلوا يعلنون هذه الفوائد الأمنية كحقائق بديهية منذ عقود. وقلة منهم قدموا أي شيء جوهري لدعم ادعاءاتهم بأن هذه القواعد عززت فرص السلم على حساب فرص الحرب. صحيح أن هناك بعض الأدلة على أن القوات العسكرية الأمريكية يمكنها بالفعل ردع التهديدات الوشيكة ، لكن القليل من الأبحاث ، إن وجدت ، تشير إلى أن القواعد العسكرية الخارجية هي شكل فعال من أشكال الردع طويلة المدى. هناك دراسات أجرتها إدارة بوش و مؤسسة راند تشير إلى أن التقدم في تكنولوجيا النقل قد محى إلى حد كبير ميزة تمركز القوات في الخارج نظرا لسرعة التحرك والانتقال برا وبحرا وجوا . و في حالة الحرب الدفاعية المشروعة أو عمليات حفظ السلام ، يمكن للجيش (أي جيش) نشر القوات بنفس السرعة من القواعد المحلية كما هو الحال من معظم القواعد في الخارج. وتعد قدرات النقل البحري السريع والجسور الجوية المقترنة بالاتفاقيات التي تسمح باستخدام القواعد في الدول الحليفة ، وربما الإمدادات الموجودة مسبقًا ، بديلاً أقل تكلفة بشكل كبير وأقل تحفيزًا للحفاظ على القواعد الدائمة في الخارج.
و من المشكوك فيه ما إذا كانت هذه القواعد تزيد بالفعل من أمن الدول المضيفة. إن وجود قواعد عسكرية أمريكية يمكن أن يحول دولة ما إلى هدف صريح للقوى المعادية أو الارهابيين – وقد عرضت القواعد الأمريكية الأمريكيين في الخارج للخطر. و بدلاً من تثبيت الاستقرار في المناطق الخطرة ، كثيراً ما تزيد القواعد العسكرية الخارجية من التوترات العسكرية وتثبط الحلول الدبلوماسية للصراعات. إن وضع القواعد الأمريكية بالقرب من حدود دول مثل الصين وروسيا وإيران ، على سبيل المثال ، يزيد من التهديدات لأمنها ويشجعها على الرد من خلال تعزيز إنفاقها ونشاطها العسكريين . تخيل كيف سيرد قادة الولايات المتحدة إذا كانت الصين ستبني حتى قاعدة صغيرة واحدة في المكسيك أو كندا أو منطقة البحر الكاريبي. وتجدر الإشارة إلى أن أخطر لحظة خلال الحرب الباردة كانت أزمة الصواريخ الكوبية التي حدثت عام 1962 و تمحورت حول نصب الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا على بعد 90 ميلاً تقريبًا من الحدود الأمريكية.
إن إنشاء العديد من القواعد الأمريكية في الخارج شجع الدول الأخرى على بناء قواعدها الخارجية الخاصة فيما يمكن أن يصبح بسرعة ” سباق بناء القواعد العسكرية “. وتهدد القواعد القريبة من حدود الصين وروسيا ، على وجه الخصوص، بإشعال حروب باردة جديدة بين القوى الكبرى بسبب الخوف والخوف المضاد. قد يصر المسؤولون الأمريكيون على أن بناء المزيد من القواعد في شرق آسيا هو عمل دفاعي يهدف إلى ضمان السلام في المحيط الهادئ ويرددن باستمرار هذا الاعتقاد للصينيين. لا شك أن قادة الصين لم “يطمئنوا” لإنشاء المزيد من القواعد التي تطوق حدودهم. وعلى عكس الادعاء بأن مثل هذه المنشآت العسكرية تزيد الأمن العالمي ، فإنها تميل إلى تصعيد التوترات الإقليمية ، مما يزيد من مخاطر المواجهة العسكرية في المستقبل.
وبهذه الطريقة الغريبة ، أصبحت الحرب على الإرهاب صراعًا عالميًا يبدو أنه ينشر الرعب فقط ، فإن إنشاء قواعد أمريكية جديدة للحماية من التهديدات الصينية أو الروسية المستقبلية المتخيلة يهدد بخطر أن يصبح نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها. قد تساعد هذه القواعد في النهاية في خلق التهديد ذاته الذي يُفترض أنها مصممة للحماية منه. وبعبارة أخرى ، وبدل أن تجعل العالم مكانًا أكثر أمانًا ، يمكن للقواعد الأمريكية في الواقع أن تجعل الحرب أكثر احتمالية وأن تجعل البلاد أقل أمنًا.
في خطاب الوداع الذي ألقاه للأمة عند مغادرته البيت الأبيض في عام 1961 ، حذر الرئيس دوايت أيزنهاور الأمة من الآثار الاقتصادية والسياسية وحتى الروحية الخبيثة لما أسماه ” مجلس شيوخ المجمع العسكري الصناعي ” الذي يعد دولة أمنية وطنية واسعة متشابكة ولدت من رحم الحرب العالمية الثانية. اليوم صار عمر القواعد العسكرية الأمريكية حوالي 70 عامًا وهي دليل على دخول الولايات المتحدة في حالة حرب دائمة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا مع دول العالم وتؤهله للدخول في صراعات مستقبلية .
نعتقد جازمين أن القواعد العسكرية الخارجية التي نشرتها الولايات المتحدة في العالم وتبعتها الدول الكبرى الأخرى لن تجعل العالم أكثر أمنا وأمانا ، بل جعلت الناس في كل مكان سجناء خلف الأسلاك الشائكة ، لقد قدمت القواعد العسكرية الأمريكية الانتشار والتدخل وصدرت الخوف والقلق إلى كل مكان لأصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها . لقد حبستنا القواعد العسكرية داخل مجتمع عسكري أقل أمنا وأكثر خوفا وقلقا وألحقت الضرر البالغ بحياتنا الداخلية والخارجية .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة