قراءة في كتابات عصمت شاهين دوسكي – بقلم : أنيس ميرو

فن وثقافة ….
بقلم : أنيس ميرو – كوردستان العراق …
في ظل التوجهات الفكرية والاجتماعية وفي ظل كثرة النصوص الأدبية الشعرية التي تظهر هنا وهناك خاصة في فضاء التواصل الاجتماعي إن كان رديئا أو بسيطا أو قيما مبدعا يلفت الأنظار والألباب يبقى الأصيل ويتلاشى الرديء وكلما قرأنا قصائد شاعر الإنسانية والإحساس عصمت دوسكي نستلهم عوالم جديدة بصورة تلامس الروح وأفكار بصورة إنسانية واعية بوجه عصري جديد التي أفرزت أحداثا وحروبا وجوعا وجهلا وفقرا وتشريدا وزادها ڤيروس كورونا نفيا وحرمانا واضمحلالا وهنا يأتي عدم الاهتمام بالأدب والأدباء معنويا ووجوديا والتقدير والاهتمام مهم جدا منذ زمن بعيد فكان الرسول محمد صل الله عليه وسلم يعمل ويشارك في بناء مسجد المدينة رأى الصحابي عمار بن ياسر يحمل قطعتين من الطابوق والآخرين قطعة واحدة اقترب منه وقال له يا عمار لكل واحد أجر ولك اجرين وهناك أمثلة كثيرة في الاهتمام والتقدير بأعمال الآخرين حيث الأدباء والعلماء هم أمناء على سيرة التاريخ قديما وحديثا وعلى الواقع وحتى آنستنا تلك الأمجاد أدبيا وشعريا في مهرجانات عديدة كان يكرم فيها الكثير مثلا في العراق مهرجان المربد ومهرجانات تونس والمغرب والقاهرة وبقية المدن الأبية التي كان يجتمع فيها أدباء العالم العربي حيث هذه التجمعات و اللقاءات مابين مختلف الأدباء تمد نمطا إنسانيا فكريا وطاقة ايجابية وكانت هذه المهرجانات فرص لمختلف الأدباء والفنانين على اختلاف صنوفهم وكانت دوما هناك تزكية شبه عالمية للمتميزين منهم ،ولكن الآن سراب في سراب وضباب في ضباب إلا ما ندر ، أديبنا المبدع والشاعر ” عصمت شاهين دوسكي ” يرفد المكتبة الوطنية في العراق والعالم العربي من كتابات متنوعة في مجال القصيدة لما فقدناه عبر هذه السنين الطويلة مع أمنياتي أن تعود تلك الأجواء في كافة الدول العربية خدمة للكلمة الهادفة والذوق السليم لقد كتب الأديب الشاعر عصمت دوسكي قصائد عديدة في فترات متقاربة وكل قصيدة منها تحمل في طياتها واقع مجتمع وحدث إنساني فقصيدة – وجع امرأة – يطرح فيها ما تعانيه المرأة في ظل عالم جاهل لا يقدر المرأة حق قدرها وما حقوق المرأة وحقوق الإنسان إلا شعارات تخجل منها البشرية وهذه أبيات منها :
( دمروا مدينتك بأسلحة الغباء
حطموا ذكرياتك
وأصبحت تحت الرماد هباء
جربوا كل الخناجر والسيوف والكبرياء
وعندما صرختي سقطت نجوم من السماء )
هذه المحاولات الفكرية والمضامين الاجتماعية العصرية تجدد وتعزز الأمل في عودة القصيدة الهادفة والتي شجعت شعراء آخرين على الكتابة والعودة لنبع الأدب الصافي. أي أعاد عصر شهرزاد و شهريار والليالي الملاح في تأمل الجمل والمضمون والكلمات في قصيدة – أنبض بين يديك – التي تبحر بالقارئ في أجواء رومانسية وفي نفس الوقت درامية مرهفة الإحساس مؤلمة حينا وتحدي للألم حينا آخر .
( على خصرك العاجي ألمُ غزواتي
اغرز سيوفي في مسامات جسدك مع جنوني
ملمسي إعصاري .. طوفاني ، آهات هذياني
أنا الفارس المعنى
بلظى أوجاع الدنيا
أنبض بين يديك حين تكويني
أغيب عن التكوين
لكي تكوني أنت تكويني (.
إن الأديب الشاعر عصمت دوسكي يكرس ويوظف مفرداته وأفكاره للإنسانية وهو مهمش ويعيش في ضنك من العيش وهروب المشرفين على الأدب والثقافة في الوقت الحاضر من أي دعم أو اهتمام لأديب يرفد مكتبة بلاده بجهده وعصارة فكره النير !!!!! وهذه تعتبر مأساة فكرية ثقافية .. ومن عذب الكلام يكشف لنا الشاعر عصمت دوسكي في قصيدة – يا عازف الناي – المميزة و المعبرة عن أحاسيس ومشاعر غاية في المودة والرأفة والرقة والحب والشوق والحنين التي يحملها أي شخص أنثى أو ذكرا من محبي الأدب الهادف وتتفاعل مع أوتار قلبه !! حتما يتأثر بالقصيدة المقصودة التي افتقدناها طيلة هذه السنين من الحروب و الظروف الشاذة التي لا حقت المواطنين في عقر ديارهم بلا استئذان أو تكون لهم صلة بهذه المافيات الإجرامية التي دمرت المدن وهلكت الحيوانات والبشر بصورة ممنهجة ؟ بقتل الأبرياء ولكن العزف على أوتار القلب وتحضير تلك الأحلام السعيدة والذكريات في تلك المحطات من حياة كل إنسان تكون له مشاعر مميزة هكذا يرن جرس التنبيه الداخلي في عمق كوامن كل شخص لكي يتذوق هذا السيل العارم من الموسيقى والعزف على الماضي الجميل لكن إنسان متذوق للجمال وللخيال والسحر والحب .
( يا عازف الناي
اعزف على جراح أحزاني
وارفع صوت الناي
ليسمو عمري الفاني
لحن الحزن لا يبكيك شجنا
بل من عميق الشجو أبكاني
يا عازف الناي بهمس تنوح ألما
فثار ألمي ووجعي وأنيني
تاهت أحلامي في سراب
وأضعت بين الأطلال هويتي وعنواني
يا عازف الناي قل للناي حكايتي
سيولا من نزيف الجراحات تهواني .
هكذا الإنسان والإنسانية والرومانسية والواقعية من خلال صور شعرية متتالية كشلال يهدر بالماء النقي والقطرات الندية التي تروي الروح والقلب والعقل ومن خلال كم كبير من أدباء العالم وعبر عبق التاريخ الإنساني منذ ما قبل الميلاد المجيد ولغاية هذه الأيام كان للأديب والأدباء ركن رزين في بنيان سجل هذه الحضارات ولو لا وجودهم وتأثيرهم ومدوناتهم وأعمالهم لما علمنا بأمة بلقيس و سليمان عليه السلام وحتى الرسالات السماوية أي لولا كتابتها لضاعت واضمحلت عبر الزمن. كل الحضارات القديمة أرخت الأحداث والمآثر والحوادث بصيغ متنوعة إن تذكير العراقيين بما أقدم عليه المجرم هولاكو وإجرامه بحق الحضارة العراقية الإنسانية وعلى شاكلتها وبعد فترة زمنية ظهور داعش وتخريبه بكل اثر وكتب ومخطوطات نادرة ونفيسة قد ضيعوا على الإنسانية أمورا مهمة وأصبح الأدب والأدباء بشيء منسي ولكن بفضل عدد من الأدباء الأكفاء والمجتهدين من أمثال أديبنا الملهم – عصمت شاهين الدوسكي- حينما وثق في روايته ” الإرهاب ودمار الحدباء ” التي ضمنت عشرة فصول ( قبل البداية – من وراء الحدود – دهوك المنطقة الآمنة – احتلال الموصل – منهج ورؤية – الانكسار – إعلان ساعة الصفر – دمار البيت – البحث عن مكان – رحلة بلا نهاية ) وطبعت بكلفة مدير شبكة التآخي الإنسانية لحقوق الإنسان الباحث الشرق أوسطي الأستاذ سردار علي سنجاري وطبعت في دهوك عام 2017 م وعلما أغلب كتبه طبعت من قبل أصدقاء في الوطن العربي والعالم مثل المغرب وتونس وسورية والنمسا وأمريكا ولم نجد دعم واهتمام حتى من محافظة ( نينوى) سوى أمسية أدبية عن الرواية تحملها أدباء من الموصل شخصيا ومنهم الدكتور محمد الجريسي ومطبعة نون للطباعة والنشر وأشير أنا لما تعرض له هذا الأديب من مآسي وتدمير لداره بالكامل ولجهده الفكري وحرق مخطوطاته الكثيرة وكتبه الشخصية الأدبية ولكن رغم هذا أبى أن يستسلم ولم ينزوي بل أصر على الكتابة حيث ما زال يكتب وفي فترة تواجد داعش كتب قصائد سوف تخلدها الأيام اللاحقة واغلب قصائده في منتهى الجمال والتأثير الإنساني وانحيازه لجانب المرأة ومساندتها والوقوف معها ظاهر للعيان التي تعرضت للسبي والاغتصاب وبيعت في سوق النخاسة وقتلت وشردت وثكلت . يعتبر الشاعر عصمت شاهين دوسكي من الزمن الجميل الذي يضمن الوفاء والإخلاص والعفوية النقية والإحساس الملهم والخيال الخلاق والفكر الذي يلم بقضايا الإنسانية عامة بلا حدود . ******************************
أنيس ميرو
كاتب وقاص
* مدينة دهوك كوردستان العراق

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة