كيلا تَخلُوَ الأكمامُ مِن ثَمَراتِها (من أرض الواقع) – بقلم : علي الجنابي

فن وثقافة …….
بقلم : علي الجنابي – بغداد …
كانَ جَاري ذات يومٍ, و خِلّيّ هوَ, وتَوقاً بالشوقِ وبَعدَ غِيابٍ زارَني.
جَاوَرَني بِمَقطَنٍ مِن سِنِينَ, أَجَرتَهُ آنَئِذٍ مِرارَاً وَأَجَارَني.
سَنَدُهُ في النَوَائِبِ كُنتُ وعندَ المَصَائِبَ كانَ عَضُدي الذي أَعَانَني.
وَفِيَّاً كُنتُ لِوِدِّهِ وَكانَ صَفِيَّاً لِخِلَّتي وما خَانَني.
أمينَاً كُنتُ لِعَهدِهِ وَكانَ يَرُدُّ عَني بِظُهرِ الغَيبِ وَصَانَني.
كِيسُنا واحِدٌ فلا أستَدينُ منهُ ولا هوَ أعَارَني.
بِئرُنا وَاحِدٌ أبُوحُ له بِمُثقَلاتِ سِرِّي, وبِرَصِيدِ إِسرارِهِ هو أَسَارَني.
يُسبِلُ جِفنَيّهِ تَبَسُماً إن أَغضَبتُهُ, وَما أغضَبَني يَوماً وما أستَثَارَني.
يُسدِلُ كَفيِّهِ ضَاحِكاً إن شَتَمتُهُ, وَما رَدَّني بِمِثلِها أَبَداً أو أدَانَني.
وَلو شاءَ كَفُّهُ لَفَعَلَها وَحَلَّقَ فَوق رأسي و أَغَارَني,
فَكَفُّهُ قاصِفٌ وبِخَطفٍ عاصفٍ منه عن يَمينِهِ إلى شِمالِهِ لأ دارَني,
لكنَّهُ ما هَمَزَني ومَا لَمَزَني يَوما وما شانَني.
خِلّي هذا قد أزَّهُ حَبلُ المَوَدَّةِ, فَتَلفَنَ يَلتَمِسُ إذنَ إستِجابةٍ إن زارَني،
رَدَّ عليهِ تَوقي بِمَسَرَّةٍ وبشَوقٌ إليهِ ضَانَني:
حَلَلتَ أَهلاً ونَزلتَ سَهلاً يا عِطراً من أولينَ, ويا لسَعدي أن التَقيك،
سُقياكَ نَبضُ خافقٍ وحَنانٌ مِنّي هوَ الوِسادةُ لك والأريك.
ظِلالي وشُجُونُها قد بَهَتَا وما فَضفَضَا بَعدَكَ لشَريكٍ.
تِلالي وبُطونُها وَوَردَةُ حَديقَتي قد غَرِقَا شجناً تُناديك.
وَدِلالي وَوٌقودُها وعُيونُ الجَمرِ قد بَرِقا حَفاوَةً فِيك.
يَالَهُ مِن نَبأٍ !عَجِّل بِه وتَحَرّر مِن شِراكِكَ ومن ماسِكيك . فأتَى الخِلُّ..
فتَجاذَبنا حَثيثاً من فَورِنا طَرَفَ حَديثٍ عَقيِمٍ أليِمٍ، وتَركنا ذِكرَياتِ لنا بَهيجةٍ بلا مَليك. قالَ الخِلُّ؛
كيفَ أنا وبَغدادَ وما مَرَّ هاهُنا مِن عِجافِ سِنين؟ بَلغَت قُلُوبُنا حَناجِرَها وسَأَمَ منّا حتى موجُ ألأنين ، أتَراني -يا خِلّ- رَاحلاً غَرباً ومُفارِقاً للطُهّرِ, وَنَقاءِ الحَرفِ, وَ(حجي مقدادَ) الطيّبِ المَتين, وَمُعانِقاً لِلنُكرِ, وجَفاءِ العُرفِ, وآذان غُربَةٍ سَجينٍ, أم تَراني مُفارِقُ لذيذ شَتائِمِكَ, وأيّامِ الصِبا والحَنينِ؟! وَجَبَ عليَّ إذاً أن أقلي رَمَضانَ ونواقيسَهُ, و(مُقدادَ) وقواميسَهُ, وعُرجُونَ نَخلَتي ونواميسَه وكلَّ زيتونٍ وتِين ! إنّي -يا صاحبي- سَئِمتُ العَنكبوتَ وشِراكَهُ, وسَئِمتُ دَوّامَةَ فَلَكٍ مِن فِتَنٍ بطَنينٍ. قد قُضِيَ الأمرُ-يا صَاح- هاهنا في بغدادَ وانتَصَرَ الثَّعلبُ المَهينُ, وأَمسَينا كُرَةً تَتَقاذَفُها صَولَجاناتُ السَلاطينِ.
تَنَهَدتُ, ثُمَّ شَدَدَتُ الأزرَ, فَرَدَدتُ :
أَفصِح : أَوَجِئتَ مُودِّعاً أَم أتَيتَ لِتَستَخيرَ فَتَستَبينَ؟ وإنّما مِثلكَ في حُلمٍ لا يَقرَبُهُ عَمَهٌ وما هوَ بِجهالتِهِ سَجينٌ, أفَبَعدما أَلبَسَكَ النَّاسُ هاهنا تاجَ خَبيرِ هَندسَةٍ مُبينٍ ؟ فإسمَع يا صاح :
إن تَذَكَرتُ الوُدَّ بَيننا لَوَّحتُ لك؛
(أَنِ إرحَل بأمانٍ مِنَ اللهِ حَصينٍ).
وإن تَدَبَرتُ الجِدَّ حَولَنا صَرَّحتُ لك؛
(أَوَ تَذَرُ بَغدادَ إرثاً لِخَفّاشٍ مَقلوبٍ هَجين؟).
أوَسَتحمِلُ معكَ نَزاهةً وعِلماً في كُبرى المَشاريعِ ثَمينٍ؟
لكَ ما عَزَمتَ – أُخَيَّ – بَعدَ تَنظيرٍ منكَ يُعينُ وتَبريرٍ يَقينٍ, فما مِثلُكَ في حاجةٍ لتَبصيرٍ رَزينٍ وتَنويرٍ رَصينٍ ! وأعلم أنَّ هَجرَكَ سَيَجرَحُ بغدادَ على ما فيها مِن جِراحٍ واَنينٍ, وسَتَدمَعُ دجلة لِفِراقِ رَسَمَاتِك أيُّها الوَغدُ والبغلُ السَمينُ, وبَسَمَاتٍ لبُنَيَّتكَ (مَروةَ) مُعطرةٍ بِعطرِ الياسمين وقَسَماتِ وقّادةٍ وهّاجةٍ لأَخَوَيها البَنين .
” لَعَلَّ خِلّيَ ما جَاءَني مُوَدِعَاً,فقلبيَ الضعيفُ لايحتملُ ولن يستكين؟”
لَعَلّ ذلكَ لن يَكون:
كيلا تَخلُوَ أكمامَ بغدادَ مِن ثَمَرَاتِها أو مِمّا تَبَقى من ثمرٍ.
لكِ اللهُ بَغدادَ.
علي الجنابي- بغداد
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة