من يقف وراء اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زاد! – بقلم : بكر السباتين – الاردن

دراسات ….
بقلم : بكر السباتين – الاردن …
أعلن يوم الجمعة عن “اغتيال” العالم النووي الإيراني فخري زادة. رئيس هيئة البحوث والابداع بوزارة الدفاع في إطار المؤامرة الإسرائيلية على الطموحات الإقليمية النووية، ومداهمة المنشآت الخاصة بذلك.
جاء ذلك تكراراً لما حدث مسبقاً في عملية أوبرا المعروفة أيضًا باسم عملية بابل في سياق إحباط الطموحات النووية الإقليمية، وهي غارة جوية إسرائيلية مفاجئة نُفذت في السابع من يونيو عام 1981، وأسفرت عن تدمير مفاعل نووي عراقي قيد الإنشاء على بعد 17 كيلومترًا (10.5 ميلًا) من جنوب شرق بغداد. وقد رسخت عملية أوبرا وما يتصل بها من تصريحات للحكومة الإسرائيلية عقيدة مبدأ بيغن، الذي أعلن صراحة أن الهجمة ليست حالة شاذة، وإنما «سابقة لكل حكومة مقبلة في إسرائيل»، وحكومة نتنياهو لن تحيِّدَ هذا الخيار الإسرائيلي الذي يلبي المطالب الأساسية لاستراتيجية الكيان الإسرائيلي في ضرب التنمية العربية والإسلامية في كل زمان ومكان، وخاصة ما يتعلق بالانتاج الحربي النوعي، ويدخل في سياق ذلك الطموحاتُ العربيةُ والإيرانيةُ على حدٍّ سواء.
إذ أضافت ما يسمى بهجمة إسرائيل “الوقائية لمكافحة الانتشار النووي “بُعدًا آخر لسياستها، والتي تتمثل بالغموض المتعمد، إذ أنها تتعلق بالقدرة النووية لدول أخرى في المنطقة.. كاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، والتي يدخل في استراتيجيتها التخريبية، اللقاءُ الثلاثيُّ بين ابن سلمان ونتنياهو وبيمبيو في “نيوم” بالسعودية.. ولعل من مخرجات تلك الاستراتيجية الاستخباراتية الإسرائيلية الثابتة، تأتي عملية اغتيال أهم علماء الذرة الإيرانيين.. كخطوة خطيرة في اتجاه تصفية المشروع النووي الإيراني، لضرب عصفورين بحجر واحد:
الأول إحباط العزيمة الإيرانية الرامية إلى تخصيب اليورانيوم.. وتدمير المشروع النووي الإيراني برمته، لتجاوز الاتفاق النووي الذي لا يلبي الطموحات الإسرائيلية القائمة على إلغاء الآخر، وحرمانه من التنمية المتقدمة، ومن ذلك امتلاك منظومة الأسلحة الاستراتيجة مثل الأسلحة النووية.
والثاني خلط الأوراق الإقليمية في وجه الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن الذي يراهن على إعادة إيران إلى الاتفاق النووي، وفي الحسابات الإسرائيلية يعتبر هذا التوجه من المخاطر المحدقة بمستقبل الكيان الإسرائيلي، وقد كانت المبرر لمناحيم بيغن مسبقاً، كي يرسخ لسياسة الاغتيالات التي تستهدف العلماء الإقليميين في مجال الذرة.
وأدان وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف، بشدة “عملية اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زادة” مؤكداً على وجود مؤشرات تثبت تورط “إسرائيل” في عملية الاغتيال. وفق ما قاله لوكالة انباء “فارس” الإيرانية. وأفادت “وكالة أنباء التلفزيون الإيراني” بأنباء عن اعتقال أحد عناصر مجموعة الاغتيال التي نفذت يوم الجمعة السابق عملية اغتيال “فخري زاده” في طهران. والتي لن تخرج عن نطاق العمايات الخاصة بالموساد الإسرائيلي؛ لأن تردد “جواد” في قول ذلك صراحة، يندرج في إطار سياسة التريث والتقاط الأنفاس.
وفي الحقيقة أن واقع التجربة يؤكد اتهام الموساد الإسرائيلي الذي لا شك أنه يقف وراء ذلك، وهذا يأخذنا تاريخياً إلى عمليتي اغتيال كل من الأديب الفلسطيني غسان كنفاني في الثامن من يوليو 1972؛ لكونه مبدعاً مؤثراً في مجال الأدب والصحافة، وبسبب دوره كمتحدث رسمي لفريق عملية مطار اللد في مايو 1972، التي شارك فيها الجيش الياباني الأحمر، فتوعدته آنذاك رئيسة وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي غولدامائير، بالاغتيال، ونفذ الموساد ذلك بدم بارد بعد تملص ونكران عُهِدَ به الجهاز الدموي بعد كل جريمة يقترفها، خوفاً من ردات الفعل المحتملة من جهة، ولخلط الأوراق من جهة أخرى.. -وعلى ذلك يمكن القياس- كذلك اغتيال خبير الطائرات المسيرة التونسي، المهندس محمد الزواوي في ديسمبر 2016، نظراً لأنه ساهم في بناء بنية تحتية لتصنيع هذا النوع من الطائرات بدون طيار في قطاع غزة لصالح المقاومة.
وتعيدنا الذاكرة أيضاً إلى دور الموساد الإجرامي في رصد تفاصيل الطموحات العربية النووية وإجهاضها في بداياتها، هذا الجهاز الخطير المتحالف اليوم (وأسفاه) مع عربان صفقة القرن في الوقت الذي ينسق فيه أمنياً مع سلطة أوسلو، كان قد أقدم على اغتيال العشرات من العلماء العرب ما قبل استكمال مفاعل تموز النووي العراقي، أو بعد انتهاء عاصفة الصحراء وسقوط بغداد على يد الجيش الأمريكي، بتواطؤ إسرائيلي عربي.. وكان على رأس ذلك اغتيال الدكتور يحيى المشد في باريس.
حدث ذلك في مطلع 1975 م، كان صدام حسين نائب الرئيس العراقي وقتها يملك طموحات كبيرة لامتلاك كافة أسباب القوة؛ فوقّع في 18 نوفمبر عام 1975 م اتفاقاً مع فرنسا للتعاون النووي.. من هنا جاء عقد العمل للدكتور يحيى المشد العالم المصري والذي يعد من القلائل البارزين في مجال المشروعات النووية وقتها، ووافق المشد على العرض العراقي لتوافر الإمكانيات والأجهزة العلمية والإنفاق السخي على مشروعات البرنامج النووي العراقي.. حيث وقع صدام حسين في 18 نوفمبر 1975 اتفاقية التعاون النووي مع فرنسا فأثر ذلك في جذب العلماء العرب إلى العراق، ومنهم الدكتور يحيى المشدّ الذي رفض أثناء عمله في المشروع النووي العراقي، بعضَ شحنات اليورانيوم الفرنسية لمخالفتها المواصفات. فأصرت فرنسا بعدها على حضوره شخصياً إلى فرنسا لتنسيق استلام اليورانيوم؛ ليجد الموساد له بالمرصاد. كان ذلك في يوم الجمعة 13 يونيو عام 1980م وفي حجرته رقم 941 بفندق الميريديان بباريس، حيث عُثر على الدكتور يحيى المشد جثة هامدة، مُهشم الرأس ودماؤه تغطي سجادة الحجرة بعد أن اغتالته مخابرات الموساد الإسرائيلية. وأُغلق التحقيق الذي قامت به الشرطة الفرنسية على أن الفاعل مجهول كما يحدث اليوم حينما سينكر جهاز الموساد دوره في اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زادة، حتى تأتي الفرصة للإفصاح عن ذلك من باب التفاخر.. هذا ما أدت إليه آنذاك التحقيقات الرسمية التي لم تستطع أن تعلن الحقيقة التي يعرفها كل العالم العربي وهي أن الموساد وراء اغتيال المشد.. ولكن حينما أتيح الوقت المناسب للاعتراف، أقرت ما تسمى بإسرائيل والولايات المتحدة رسميًا باغتيال العالم المصري يحيى المشد، من خلال فيلم تسجيلي مدته 45 دقيقة، عرضته قناة «ديسكفري» الوثائقية الأمريكية تحت عنوان «غارة على المفاعل»، وتم تصويره بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي.. “على عينك يا تاجر” ورغم ذلك تم طيّ الملف دون حساب.
أما بالنسبة للطموحات المصرية النووية فقد أُجهضت تباعاً، حيث أغلق مشروع الطاقة الذرية المصري لأسباب مبهمة رغم الإعلان عن مبررات غير مقنعة. وبدأ برنامج الطاقة النووية المصري في عام 1954؛ وتم إنشاء أول مفاعل نووي للأبحاث حمل اسم مفاعل البحث والتدريب التجريبي-1 (ETRR-1) والذي تم الحصول عليه من الاتحاد السوفيتي. في عام 1958 أعلن جمال عبد الناصر عن افتتاح المفاعل في أنشاص الرمل على مقربة من دلتا النيل. وفي عام 1964 كان من المقرر أن يُنتج المفاعل 150 ميغاواط ثم سيصل إلى 600 ميغاواط بحلول عام 1974. وقد تأسست في عام 1976 محطات طاقة نووية بسيطة لإنتاج الطاقة الكهربائية، ثم تأسس مفاعل نووي مهم لذات الغاية السلمية في عام 1983 بمدينة الضبعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ولكن تم رفض البرنامج النووي لمصر بعد هزيمتها على يد العدو الإسرائيلي في حرب الأيام الستة في عام 1967 بسبب ضعف الاقتصاد المصري كما قيل آنذاك!!!. ولكن الدليل على أن إفشال هذا المشروع نجم عن ضغوطات خارجية هو أنه في عام 1968 وقعت مصر أولياً على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية “جبراً” لكنها أجلت التصديق عليها بعدما عثرت على أدلة تُؤكد على أن دولة الاحتلال الإسرائيلي قامت بتطوير برنامج للأسلحة النووية.. ورغم ذلك تعطل المشروع وكان من مخرجات ذلك أن فقدت مصر الكثير من الخبراء والعلماء الذين اضطروا للسفر إلى الخارج بحثاً عن فرص العمل. بعضهم انضم للعمل في برنامج العراق النووي مثل الدكتور يحيى المشد.. وآخرون هاجروا باتجاه كندا.
والغريب أن مصر جمدت كل ما يتعلق بمخططاتها النووية بعد كارثة تشيرنوبيل.. ومن الطبيعي أن من يقف وراء أيقاف البرنامج المصري؛ كانت الضغوطات التي تعرضت لها مصر من قبل حلفاء الكيان الإسرائيلي وعلى رأسهم أمريكا، وعليه فقد أصبحت ساحة الاغتيالات مكشوفة للموساد، الذي أنيطت به مهمة اغتيال العلماء المصريين في العالم وخاصة من لهم علاقة بالمشاريع النووية العربية الطموحة، مثل علماء الفيزياء، الدكاترة: يحيى المشد، وسميره موسى، مصطفى مشرفة، سمير نجيب، كذلك السيد سعيد بدير عالم الفضاء المعروف.. تطبيقاً لمقولة بيغن الشهيرة أعلاه.
وأخيراً.. لو تعمقنا أكثر في الدور التخريبي للموساد، لوجدنا الملف الذي ما يزال مفتوحاً بشأن اغتيال ياسر عرفات بالسم، الأمر الذي خلط كل الأوراق وترك الجريمة في مهب الريح بينما المجرم يُتْرِكَ -كما جرت العادة- دون عنوان.. سوى اتهامات تطلق هنا وهناك.. والموساد كعادته، ينتظر الفرصة كي يتفاخر بدوره الفذ في تنفيذ هذه الجريمة النكراء..
هذا هو جهاز الموساد الذي يناط به مهمة التمهيد للحروب المدمرة في المنطقة، بمساعدة العملاء، وهو ما يجري ترتيبه الآن في الخليج العربي، ولعل اغتيال العالم الإيراني يمثل أحد مؤشرات ذلك.. فلا عجب!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة