الأردن على مشارف كارثة بيئية في تقرير لمعهد القياسات الصحية والتقييم.. – بقلم : بكر السباتين

دراسات …..
بقلم : بكر السباتين – الاردن …
كشف معهد القياسات الصحية والتقييم في سياتل بواشنطن عن الوضع الكارثي الذي وصل إليه حال تفشي وباء كورونا في الأردن، وفق توقعات المعهد الاستشرافية لانتشار الوباء على صعيد عالمي، حتى نهاية العام الجاري. إنها الحقيقة الصادمة التي لا بد من التعامل معها أردنياً من قبل الجميع بمسؤولية، وتوحيد الجهود على قاعدة أن الوباء حقيقة موجودة ولا تقبل الشك وإن إهمالها سيضع الأردن على حافة الجرف، والنتائج حينئذٍ ستكون وخيمة، والشواهد على الكارثة باتت متوفرة لكل من يعنيه الأمر، من خلال ما توفره وزارة الصحة الأردنية من بيانات يومية راصدة لتفشي الوباء أردنياً عبر موقعها الرسمي في جوجل، والتي تشير بياناته – رصدتها صباح هذا اليوم- إلى تصاعد كبير في النتائج حيث سجلت بتاريخ 14 نوفمبر 2020 (أي قبل يومين) عدد 141305 حالة إصابة مؤكدة، منها قيد العلاج 2113 حالة و 1704 حالة وفاة وهذا خطير جداً ويضع الأردن على حافة الكارثة التي يصعب الخلاص منها في ظل انعكاسات الوباء المدمر على الاقتصاد الأردني وتعطيله لعجلة التنمية المستدامة بكل تفاصيلها وإيقافه لعجلة الحياة.. ولو تتبعت سيرة انتشار المرض ومخرجاته على صعيد أردني بيانياً، ستجد بأن التصاعد مخيف في النتائج، نظراً للفرق اللافت ما بين نتائج الشهر الذي شهد بداية تفشي الوباء بتاريخ 13مارس 2020، والتي لم تتجاوز فيها حالات الإصابة 13 حالة دون تسجيل حالات وفاة، وصولاً إلى نقطة بداية معدل الصعود المسجلة بتاريخ 24 سبتمبر 2020 حيث وصلت عدد حالات الإصابة المؤكدة 6591، منها 755 حالة قيد العلاج، حيث تعافى من المصابين 3937 حالة، بينما وصلت حالات الوفاة إلى 37 حالة.
وبوسع أي متابع أن يرْصُدَ مَبْلَغَ الخطورةِ التي يشهدها واقع تفشي الوباء على صعيد الأردن حسب التقرير اليومي ومؤشراته البيانية لموقع وزارة الصحة الأردنية التي تعتمد عليها المؤشرات البيانية لمؤسسات القياس العالمية مثل معهد القياسات الصحية والتقييم في سياتل بواشنطن المتخصص في البحوث العالمية، وهو معهد بحثي ملحق بمؤسسة بيل ومليندا غيتس الخيرية الذي تأسس عام 2007.. ويعمل في مجال إحصاءات الصحة العالمية، ويُجري أبحاثاً ويدرب علماءً وصناعَ السياساتِ والجمهور على مفاهيم المقاييس الصحية، وتشمل مهمته الحكم على فعالية المبادرات الصحية والأنظمة الصحية الوطنية في العالم. ويساعد المعهد على وضع خطط التصدي للوباء بمساعد منظمة الصحة العالمية إلى حين توفر العلاج عالمياً.. والتي من المنتظر أن يتحسن موقفها الاستراتيجي بالعودة المحتملة للدعم الأمريكي للمنظمة نهاية يناير العام المقبل بعد انتقال السلطة إلى بايدن. وعليه فقد دقَّ هذا المعهد ناقوس الخطر من خلال دراساته الاستشرافية وتوقعاته لتفشي وباء كورونا على الصعيد العالمي حتى نهاية عام 2020. حيث توقع معهد القياسات الصحية والتقييم (IHME) أنه يمكن إنقاذ ما يقرب من 770 ألف شخص في جميع أنحاء العالم من الآن وحتى الأول من يناير من خلال الالتزام بارتداء أقنعة الوجه والتباعد الاجتماعي. وقد وصل إجمالي الوفيات المتوقعة بحلول الأول من يناير المقبل 2.8 مليون وفاة، أي حوالي 1.8 مليون أكثر من عددها الحالي، بينما قد تصل الوفيات اليومية في ديسمبر 2020 إلى 30 ألف وفاة يوميًا.
من جهته يقول مدير المعهد الدكتور كريستوفر موراي إن هذه التوقعات مروعة، وهناك احتمال بأن يكون شهر ديسمبر مميتًا، خاصة في أوروبا وآسيا الوسطى والولايات المتحدة، مضيفًا بأن العلم واضح والأدلة لا يمكن دحضها، وتتجلى الوقاية من الإصابة بفيروس كورونا اتباع بعض العادات والسلوكيات البسيطة وغير المكلفة من حيث ارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي وتقليل التجمعات، وهي أمور حيوية للمساعدة في منع انتقال الفيروس. وعليه فقد وضع المعهد ثلاثة سيناريوهات تبين مدى استفحال انتشار الوباء وتفاقم مخرجاته الوخيمة على صعيد عالمي، والتي تراوحت ما بين الأسوأ والأفضل والأكثر احتمالاً، وجاءت على النحو التالي:
أولاً:- السيناريو في ظل “أسوأ حالة” حيث يظل استخدام الأقنعة بالمعدلات الحالية وتستمر الحكومات في تخفيف متطلبات التباعد الاجتماعي، ما يؤدي إلى 4 ملايين حالة وفاة بحلول نهاية العام.
ثانياً:- “أفضل حالة” ويبلغ مجموعها 2 مليون حالة وفاة إذا كان استخدام الأقنعة شبه عالمي وتفرض الحكومات متطلبات التباعد الاجتماعي عندما يتجاوز معدل الوفيات اليومي 8 لكل مليون.
ثالثاً:- السيناريو الأخير “الأكثر احتمالاً” الذي يفترض أن استخدام الأقنعة الفردية وتدابير التخفيف الأخرى تظل دون تغيير، مما يؤدي إلى ما يقرب من 2.8 مليون حالة وفاة.
وتشير النماذج أعلاه إلى أن 750 ألف حالة قد يتم إنقاذها من الموت بالنظر إلى الفروق بين سيناريوهي: “أفضل حالة” و “الأكثر احتمالاً”.
وبحسب المعهد، ترجع هذه الزيادة جزئيًا إلى الارتفاع الموسمي المحتمل في حالات COVID-19 في نصف الكرة الشمالي.
حتى الآن، اتبع COVID-19 أنماطًا موسمية مشابهة للالتهاب الرئوي، وإذا استمر هذا الارتباط، يمكن لدول الشمال توقع المزيد من الحالات في أواخر الخريف والشتاء.
وقد وصف الدكتور كريستوفر موراي مخرجات تفشي وباء كورونا قائلاً:
“من السهل أن تضيع في ضخامة الأرقام، عدد الوفيات الذي يتجاوز سعة أكبر 50 ملعبًا في العالم “ وهذا توصيف بصري لإقناع العالم الذي يداهمه الوباء بأن الكارثة قادمة بكل ثقلها ما لم يتوحد العالم في التصدي لها.
أما فيما يتعلق بالأردن، فقد توقع المعهد حدوث 320 حالة وفاة حتى نهاية العام، حيث كانت هذه التوقعات مبنية على أرقام ومعطيات الأسبوع الماضي، قبل الزيادة الكبيرة التي حدثت خلال الأيام الأخيرة الماضية ويمكن رصد هذه التغيرات في بيانات وزارة الصحة الأردنية ومؤشراتها من خلال موقعها الرسمي، كما إشرت إليها في مقدمة المقال.
وفي سياق متصل فإن ما يلفت الانتباه في هذه النماذج المحتملة من سيناريوهات تفشي الوباء أن ذروة الوفيات المحتلمة في الأردن ستكون في الأسبوع الأول من يناير المقبل، وتصل أعداد الوفيات اليومية المتوقعة فيها إلى 116 حالة، لكنها مرجحة، بحسب سيناريو آخر، للارتفاع إلى نحو 147 وفاة مع تأخر حدوث الذروة إلى الأسبوع الثالث من الشهر ذاته استناداً إلى زيادة الحالات الحرجة المُبَلَّغْ عنها خلال الأيام الماضية، فضلاً عن أن المعلومات تشير إلى بلوغ مستشفيات الأردن حدود طاقتها الاستيعابية العليا، في ظل تجاوزات كبيرة مرتبطة بالتجمعات الاجتماعية التي لا يفترض أن تحدث في حالات انتشار الأوبئة.
والجدير بالذكر أن الدول اتخذت في بداية انتشار الوباء إجراءات صارمة للوقاية منه وجاء ذلك بسبب الجهل بالفيروس من قبل القطاعات الحكومية والمدنية، وقد صدر في الأردن قانون الدفاع الذي نُفِذَ بموجبه الحظرُ الشاملُ الذي حَقَّقَ نتائجَ إيجابية على صعيد الصحة العامة، ومنع الوباء من الانتشار في الأردن بين المواطنين وخاصة أولئك الذين تقيدوا بشروط السلام الشخصية والعامة، لكنه مقابل ذلك، حصل ما هو أسوأ، حيث أثرت إجراءات الحظر الشامل على الاقتصاد الأردني سلبياً وانعكس ذلك على الحياة المعيشية للمواطنين؛ ما أدى إلى تفشي حالة التذمر والتشكيك بالمرض وسادت حالة من الاستهتار به بين الناس، وبالتالي قيامهم -كردة فعل- بمخالفة إجراءات السلامة؛ ما أدى إلى عودة انتشار الوباء على نحو كارثي! وبناء على ما تقدم نطرح السؤال التالي، هل سنصل إلى صحوة حقيقية للتعامل مع الوباء بجدية في إطار معادلة التوازن بين المواطنين والمؤسسات المدنية والحكومة لبناء استراتيجة دفاعية تحصن المجتمع من خطر الكورونا، ومن ثم تطويق الوباء والقضاء عليه حتى يتم الحصول على المضاضات الحيوية مستقبلاً. لا بد من القيام بذلك حماية للمواطن، ودرءاً لانهيار القطاع الصحي وتأزيم الوضع التنموي في الأردن، وانعكاساته الكارثية على المواطنين، وبالتالي وصوله إلى وضع يحتاج فيه إلى اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بالموت والحياة..
إذا لا بد من العودة إلى حسم الأمور ولو بالقوة لأن تردي الأحوال التي وصل إليها الأردن اليوم، نجم بالدرجة الأولى عن سوء التخطيط وتعثر الأداء الحكومي في مراقبة الوضع الوبائي حتى صل إلى حد التراخي في حسم الأمور، ناهيك عن عدم استغلال الحكومة لحالة الوضع الآمن الذي أعقب إجراءات الحظر، لإجراء تغيير ملموس في بنية نظام الصحة العامة، من حيث سعة المستشفيات وقدراتها التي تشمل عدد الأسرة ووحدات العناية المركزة وأجهزة التنفس الاصطناعي وغيرها.
لا بد من تطبيق معادلة متوازنة يتضافر في تطبيقها المواطن ومؤسساته المدنية، إلى جانب الحكومة؛ لتحدّ من ظاهرة الاختلاط وتديم الاقتصاد والحياة وتوازن بين مصلحة الفرد والمجتمع والدولة.. وبالتالي بذل الحكومة لأقصى طاقات عملها من أجل المحافظة على حياة الناس. ولن يتم ذلك دون حظر شامل مدروس (ذكي) لمدة لا تقل عن إسبوعين أو أكثر، يسمح للناس خلالها بالمشي، وللقطاعات الأساسية بالعمل: كالمخابز والصيدليات، والمرافق التي يؤثر إغلاقها على حياة الناس اليومية، ودراسة آليات مناسبة لتوفير متطلبات وحاجات الأسر الفقيرة أو المتضررة من الإغلاق، وحماية العمال الأردنيين من مخاطر الفصل التعسقي وهذا منوط بوزارة العمل. وأخيراً لا بد من التنسيق مع المؤسسات الدولية وخاصة منظمة الصحة العالمية لتلقي الدعم المادي والفني القائم على الشفافية والمكاشفة البيانية، وخاصة ما يتعلق بدعم الحصول على الدواء مستقبلاً مادياً من قبل تلك المؤسسات وتيسير الحصول عليه.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة