صوغ الشخصية في سرد الحب والحرب عند “رشاد أبو شاور” و”إرنست همنغواي” بقلم د . كنان حسين

دراسات – فن وثقافة …
بقلم د. كنان حسين – كاتب سوري ..
شكّلت ثنائية الحب والحرب ثيمة روائية أغرت العديد من الروائيين بالاشتغال عليها، وخصوصاً أولئك الذين خاضوا غمار الحروب وخبروا عوالمها، فقاربوا شخصية العاشق في زمن الحرب، مقاربةً تنضح بصدق معايشة الحدث وحرارته. من هذا المنظور، نجري مقارنة بين شخصيتي: زينب من رواية “الرب لم يسترح في اليوم السابع” للكاتب الفلسطيني “رشاد أبو شاور”()، وكاترين من رواية “وداعاً للسلاح” للكاتب الأمريكي “إرنست همنغواي”، من حيث بناء هاتين الشخصيتين، بما ينسجم مع طبيعة الدرس المقارن.
الاسم الشخصي ودلالاته:
بالوقوف على شخصية زينب في رواية “الرب لم يسترح في اليوم السابع”، التي تقارب قصة ترحيل المقاتلين الفلسطينيين على متن السفينة “سولفرين” من بيروت إلى تونس عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، نجد الدلالة المعجمية لاسم البطلة يعود إلى شجر حسن المنظر، وطيب الرائحة، كما نجد الاعتبار الديني يقف على رأس الاعتبارات في انتشار هذا الاسم روائياً؛ فاسم زينب اسم حملته إحدى بنات الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وزوجتان من زوجاته، وإحدى بنات الإمام علي (كرم الله وجهه)؛ أي إنه يحيل على مدلولين: معجمي، وديني. وبالنظر إلى شخصية زينب، نجدها تجمع بين حسن المنظر، ورمزية الشجرة في خصبها ونضارتها وتشبثها بالأرض. كما أنها مثالٌ للعفة والحشمة والطهارة؛ فالاسم الشخصي إذاً جاء مطابقاً للشخصية، والشخصية نقلت معانيه بأمانة.
وبالانتقال إلى شخصية كاترين في رواية “وداعاً للسلاح” التي تقع أحداثها في إيطاليا في فترة الحرب العالمية الأولى “Ernest, Hemingway: A Farewell to arms, the millennium library, London” نجد اسم العلم كاترين ينطوي على الصيغة الإنكليزية لاسم قديسة استشهدت في الإسكندرية، في سبيل معتقدها النصراني عام307م، ومن المرجح أن يكون قد اشتق من أصل إغريقي يحمل معنى (الطاهرة). وعلى وفق ما تبوح به سيمياء النص يظهر أن البطلة غارقة في الإثم، حتى أنها وسمت نفسها بالعاهرة في علاقتها مع الملازم الأمريكي “هنري” (الشخصية المحورية في الرواية)، في إشارة من “همنغواي” على لسان أبطاله إلى تورطهم أخلاقياً. وعلى الرغم من اختلاف الثقافة الاجتماعية بين المجتمعين: العربي، والأمريكي، وضرورة أخذ ذلك بعين الاعتبار، إلا أن استفاقة أمريكا على التغيير الكبير في حياتها، حدثت بعد الحرب العالمية الأولى؛ أي بعد انقضاء زمن القصة (المادة الحكائية في الرواية). فقد وصف عددٌ من المؤرخين الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين بأنها كانت فترة “صدمة بلوغ الولايات المتحدة “سن الرشد”؛ إذ لم يتمكن الجنود الأمريكيون من استعادة براءتهم، بعد أن خبروا الحياة الأوروبية بزهوها. فبعد أن كان التعديل الثاني عشر للدستور الأميركي قد حرم الخمر، انتشرت الحانات، والأنماط الجريئة من الملابس والرقص، وشعرت النساء الأمريكيات بالتحرر، فارتدين الملابس القصيرة…”
” ” Vanspanckeren, Kathryn: Modernism and Experimentation, usa.gov, 2008.
على الرغم من أنّ “همنغواي”، شأنه شأن “أبو شاور”، قد تخير اسماً شخصياً يحمل صبغة دينية إلا أن الاختلاف هنا يكمن في المغايرة، فالاسم جاء مغايراً إلى حد كبير لجوهر الشخصية، كما لو أن “همنغواي” قد عمد إلى خلع اسم له قدسيته الدينية والتاريخية في الغرب، على شخصية لا يجدر بها حمله، بدافع العبث أو الاستهزاء بالشخصيات النسائية في روايته، مجسداً بذلك “أسطورة الذكورة المتطرفة في الأدب”.
تقديم الشخصية:
يتعرف القارئ على المظهر الخارجي لشخصية زينب منذ الظهور الأول لها، في الفصل الأول من الرواية، بالاعتماد على الطريقة المباشرة، والمقياس الكمي؛ إذ تظهر من خلال كلام رشيد، الذي يصف ملامح وجهها، وجمال جسدها المتناسق المفعم بالحيوية، ومظاهر الأنوثة. فهي ذاتُ شعر “أسود ضفائره فوضوية، ووجه أسمر، وعينين لونهما محيّر… حلوة، مفرحة بالكاكي، جسدها فاتن مكتنز…” (ص18-19)، ثم يعود لاحقاً إلى الوصف، استمراراً في السير على الطريقة التقليدية المباشرة، التي وُظفت في هذه الرواية بنجاح؛ لتعبر عن لهفة العاشق رشيد، في التعبير بسرعة عن كل ما يختلج في صدره منذ البداية: “فمها صغير، الشفة السفلى ممتلئة قليلاً، والشفة العليا ناعمة، الحاجبان متباعدان قليلاً، … في العينين براءة… في نفور الملامح كلها مهرة” (ص36). ويتفرد الراوي رشيد في وصفه مظهر زينب الخارجي وملامحها، ولا يكاد يتنحى إلا حين يعجز عن وصف مشهد ما قد خفي عليه، وعندئذٍ تبرز عدسة الراوي العالم بكل شيء، كما في مشهد استحمام زينب، الذي يسبر أعماق دخيلتها؛ إذ نرى زينب تتساءل في قمرتها، وجسدها المتعب حبورٌ بالاستحمام والماء المنعش: “متى يكون للفلسطيني زورق حب، لا زورق منفى؟ لو أنا ورشيد في كبينة واحدة معاً، … أستحم أمامه، ربما أغسله كطفل صغير.. وأجفف جسده، أنسيه ثدي أمّه الذي اخترقته الرصاصة” (ص63-64).
تبدأ أبعاد شخصية زينب بالتكشف تباعاً، عبر جملة علاقاتها في فضاء السفينة، من خلال مبدأ التدرج في رسم الشخصية، فما إن يفرغ الكاتب، من الإحاطة بالمظهر الخارجي لزينب، حتى يبدأ بإتاحة الفرصة للتعرف على شخصيتها من الداخل، باستخدام المقياس النوعي، من خلال الراوي رشيد الذي يدنو في بعض المواضع من مرتبة الراوي العالم بكل شيء؛ إذ يقف عند ذكريات زينب قائلاً: “المزرعة احتُلت في حزيران 67، كنتِ صغيرة، رأيت جنود العدو، ثم كبرت وذهبت إلى أمريكا، أقمت عند أخوتك، ودرستِ…”(ص114). لقد أسهمت هذه الذكريات، مع حديثها مع الرفاق على ظهر السفينة، في التعرف على بعض الحلقات المفقودة من جوانب شخصيتها؛ إذ يكشف هذا الحوار الذي يتخلله السرد، جوانب مهمة من طباعها:
– يا زينب، لا نحب أن نراك حزينة، ولو.. أين ابتسامتك التي ترد الروح..
– أنا السبب، رشيد يظل ساهراً طوال الليل ليغطيني ويهتم بي، إنه متعب ومريض بسببي.
مد رشيد الكوب إليها، وقال لها:
– تشممي رائحة الميرمية، بماذا تذكرك…؟
– بالتراب الذي مشت عليه أقدامنا الحافية… برائحة خبز الطابون…
– إيه يا زينب… يا أصيلة…
علق أبو العبد، أما العجوز فقال:
– لا خوف ما دامت بناتنا يحفظن كل شيء… (ص112)
نحتكم في معرفة شخصية زينب مظهراً وسلوكاً، وعبر مساحات واسعة من الرواية إلى الشخصية التي تبدي إعجاباً كبيراً بها. فالراوي الممثَّل رشيد، ليس راوياً حيادياً، بل هو منحاز بشكل ملحوظ إلى شخصية زينب؛ لذلك كان من الضروري البحث عن مصادر أخرى، ومن ثمّ اللجوء إلى المقياس النوعي، الذي يدقق في مصدر المعلومات المقدَّمة عن الشخصية. من هنا تأتي أهمية الحوار السابق؛ إذ إنه يطلعنا على مصادر أخرى لمعرفة شخصية زينب، فهي بشوشة، متفائلة، وابتسامتها لا تكلف فيها، تخرج من أعماق القلب فتردّ الروح، على الرغم من الكدر والحزن المعششين في السفينة، أصيلة لم تنسها الحياة في أمريكا واقعها وذكرياتها.
بالانتقال إلى رواية “وداعاً للسلاح”، يظهر أن التعويل الرئيس في معرفة شخصية البطلة كاترين يأتي عن طريق الراوي الممثَّل هنري، كما يُلحظ استخدام “همنغواي” الطريقة المباشرة، والمقياس الكمي في تقديم الشخصية منذ الصفحات الأولى؛ ليصف لنا مظهرها، ويقدّم بعض الإضاءات المهمة عن حياتها. فهي إنكليزية من أم اسكوتلندية، تعمل في المستشفى البريطاني، قتل خطيبها على ضفاف نهر السوم، بعد حب دام ثمانية أعوام (ص16-18).
ويُلحظ أن للطابع الحسي الذي اتخذته العلاقة أثراً في التدرج في تقديم مظهر الشخصية تدريجيّاً من خلال المقياس الكمي؛ إذ يبدأ الراوي الممثل “هنري” بتقديم ما أتيح له في اللقاء الأول: “ذات قامة طويلة، شعرها أشقر جذاب، بينما تميل بشرتها إلى السمرة الخفيفة”(ص16)، وعندما يبدأ التركيز على شخصية كاترين بوصفها عشيقة، وتأخذ العلاقة في التقدم حسياً، نجد أوصافاً من قبيل: جسدها كان رائعاً، ذا بشرة ناعمة ملساء.
يكاد يكون هنري النافذة الوحيدة التي نطلّ منها على عالم كاترين، فقد رسمت من خلال نظرات هنري إليها، وهذا يعني أن صورة كاترين تتخذ تجسيمها وأبعادها بناءً على ماهية العلاقة التي تربط كاترين بالراوي الرجل؛ إذ انحاز هنري/الراوي الممثل، إلى حبيبته في وصف شخصيتها. وتقييم هنري لحبيبته يخضع بوضوح لتحولات مشاعره، ومناخاته النفسية، ومكابدته الألم. فلدى مكوثه في المستشفى بعد الإصابة، يصف كاترين عند قدومها إليه بأنها تتقد روعة وفتوة وجمالاً، وما إن تخرج حتى يسرّ لنفسه بأنه قد وقع في حبها.
وهنا تبرز ضرورة الاحتكام إلى المقياس النوعي؛ إذ نعثر على بعض المحطات التي اعتمد فيها المؤلف في تقديم شخصية كاترين على هذا المقياس، لمتابعة تقديم شخصيتها للقارئ. وفي تتبع الإشارات حول شخصية كاترين، نتوقف عند ما تعرب عنه فيركوسن من تفاني صديقتها كاترين في الحب، وذلك في قول فيركوسن لهنري: “ينبغي أن تدعها ترتاح من الخدمة الليلية. لقد أضحت مرهقة جداً… حاولتُ أن أقوم بها بدلاً منها إلا أنها رفضت” (ص103). وهنا يظهر مقدار الانصياع والتفاني اللذين تقوم بهما كاترين؛ لتبدو بذلك مثالاً للمرأة المستسلمة الوديعة الطيّعة.
لقد جاءت شخصية كاترين مكتملة منذ البداية؛ مما اضطر الكاتب إلى الوقوف عند شريط ذكرياتها؛ لإبراز شيء من تطور الشخصية. فعندما بلغت الخامسة عشرة، سافر خطيبها إلى الجبهة، وراودتها فكرة ساذجة، أن تكون ممرضة في المستشفى الذي سيحملونه إليه يوماً، مصاباً بطعنة رمح والأربطة حول رأسه. إلا أنها تستفيق من سذاجتها؛ فخطيبها لم يصب على هذا النحو، “بل مزقته القنابل إرباً إرباً” (ص18). الحرب إذاً، أسهمت في إنضاجها وتطور وعيها، والسيناريو المريع لهذه الحرب شكل نقطة انعطاف في تفكيرها، بعد أن كانت تنظر إلى هذه الحرب بصورة رومنتيكية. لقد كانت تسعد بالجرح؛ لأنه علامة مجيدة تعبر عن الشجاعة والكفاءة، فلم تكن ترى الطبيعة المدمرة للحرب على الإطلاق.
وفي معرض الحديث عن ذكريات كاترين، يلحظ المتتبع لجوانب شخصيتها قلة المعلومات المتوفرة عن ماضيها وحياتها، وفي ذلك تعبيرٌ عن عدم اكتراث هنري بمعرفة ذلك، وهذا ما نلحظه من الحوار الآتي:
– “الخمر شيء عظيم، يجعلنا ننسى كل ما هو سيء.
– إنه رائع حقاً يا هنري، إلا أنه تسبب بمرض النقرس لوالدي إلى درجة سيئة جداً.
– وهل لا يزال والدك على قيد الحياة؟
– نعم، وهو مصاب بالنقرس، وليس من الضروري أبداً أن تقابله، وأنت؟
– لي عم، زوج أمي.
– هل تظن أنني سأميل إليه وأحبه؟
– ليس من الضروري أن تقابليه.
– نحن نستمتع بوقت جميل ولست أبالي بأي شيء آخر مطلقاً”. (ص147)
فالشخصية هنا لا نسب لها ولا جذور لها؛ فنحن لا نعرف شيئاً عن ماضي كاترين. وتجدر الإشارة إلى أن الحديث عن الأهل في الحوار السابق لم يأت بدافع الاهتمام، بل جاء في سياق الحديث عن الخمر، كما نكتشف أيضاً عدم رغبة الاثنين أصلاً، في الحديث عن الماضي.
إن معرفة البطلة قد اقتصرت إلى حدٍّ كبير على إحساسها بهنري، وعلى ما قدمه لنا الراوي هنري، في غياب الراوي العالم بكل شيء؛ إذ لم نجد مشهداً مستقلاً يرصد تحركات كاترين وأفعالها من زاوية تبئير ذلك الراوي. فشخصية كاترين توصف بأنها شخصية تابعة، جاءت تماماً بالشكل الذي تلبي فيه حاجات هنري، الأمر الذي وسم الرواية بأنها رواية ذكورية بامتياز؛ إذ تظهر رجولة البطل الفائقة، وقوته واستبداده على حساب ضعف البطلة وتبعيتها.
لقد اعتمد كل من الكاتبين في تقديم شخصية البطلة المختارة، على الراوي الممثل/الشخصية المحورية في الرواية؛ الراوي الممثل العاشق المتحيز إلى حبيبته في وصف شخصيتها، وقد خضع هذا الوصف للمناخ النفسي للراوي. كما رأينا سير كل من الكاتبين على الطريقة التقليدية المباشرة في رسم الشخصية وتقديمها؛ للتعبير عن لهفة الراوي الممثَّل بوصفه عاشقاً، في التعبير السريع عن مشاعره وخلجات صدره منذ البداية، وعن إعجابه في شخصية من يحب.
وضمن إطار التشابه في تقديم الشخصيتين، يُلحظ أيضاً، أن شخصية كاترين، شأنها شأن شخصية زينب، من الشخصيات التي أريد لها أن تكون نامية، لكن، ما بين الظهور الأول والأخير لها، ليس ثمة ما يدهش القارئ في تصرفاتها، سواءٌ أكان ذلك بشكل مفاجئ أم تدريجي. فلا يجد القارئ أنه متحفز لمعرفة موقفها من أمر ما؛ إذ إنه يعتاد سلوكها النمطي، منذ أن يدرك طريقتها في الحب والحياة من الصفحات الأولى في الرواية.
فإذا كان التطور الملموس في شخصية زينب قد حدث في سفرها إلى أمريكا فحسب، فإن التطور في شخصية كاترين قد حدث مع بدء الحرب. والحدثان كلاهما؛ أي السفر والحرب، يعدّان من الأحداث التي يمكن أن تصنع تحولات كبرى في حياة الإنسان، والروائيّان وظفا ذلك بصورة ترقى إلى التقدير، إلا أن هذين الحدثين لم يحملا القارئ على ملاحظةِ تطورٍ ما في تصرف كل من الشخصيتين، عن رؤيته الأولى لهما؛ لأن الحدثين وقعا قبل بدء زمن الخطاب، ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ الشخصيتين تنطويان على مجموعة من الصفات والأفكار، استغرق تقديمها مساحة لا بأس بها من الرواية؛ لذا، وبالنظر إلى جملة ما سبق، فالشخصيتان تقعان بين أنموذج الشخصية المسطحة، وأنموذج الشخصية النامية، لكن على مسافةٍ أقرب إلى الثانية.
كما نقع على فرق بين الكاتبين في تقديم الشخصية، يكمن في وقوف “أبو شاور” عند ماضي زينب، وعدم اكتراث “همنغواي” بإبراز ما يقابل ذلك عند “كاترين”. ويعود هذا الفرق إلى اختلاف السياق الثقافي بين المجتمعين: العربي والأمريكي، فالأول منهما يولي أهمية كبرى لنشأة الفتاة التي يرغب شابٌّ ما في الزواج منها، إلى حد يفوق التفات الأمريكي إلى هذا الشأن بكثير.
تصنيف الشخصية/ الشخصية الجاذبة:
إذا كان الراوي الممثَّل في كل من الروايتين المذكورتين، قد أبرز في تصويره الشخصية التي يحبها، جميع العناصر التي يهواها في المرأة بصورة عامة، وكان منحازاً إلى هذه العناصر دون سواها، فهذا لا يجعل من هذه العناصر محور الاهتمام ذاته بالضرورة في المجتمع الروائي، كما لا يجعل من الشخصية جاذبة بالضرورة، في ذلك المجتمع أيضاً. فقد لحظنا أن رشيداً يركز غير مرة، على البزّة العسكرية التي ترتديها زينب، بوصفها معلماً من معالم الجاذبية والسحر في مظهرها. وهذا الأمر ذاته، قد يحدّ من انجذاب رجال آخرين لها في واقع الأمر. فمعظم الرجال يرون أن ارتداء المرأة لباساً عسكرياً قد يمنحها طابع الخشونة، ويخفض من قيمة الأنوثة، خلافاً للفستان الذي يتقن إبراز أنوثة المرأة ورقتها. والأمر هنا مفتوح على احتمالين: إما أنه حال المحب دوماً، الذي يولع على وجه التحديد بما ينصرف عنه الآخرون، وإما أن مظهر الحبيبة بالبزة العسكرية يتناغم مع طبيعة رشيد النضالية. فعلى الرغم مما اتسمت به زينب من جمال وأنوثة سعى الروائي إلى إبرازهما بوضوح عبر راويه رشيد، إلا أنه لم يقصر انجذاب رشيد والآخرين إليها على هذا الأساس فحسب، بل كان حسّها الثوري والوطني مثار إعجاب أيضاً، فضلاً عن اتزان قلّ نظيره بين الفتيات، فهي ترفض حتى الترنم بالأغاني العاطفية: “- صوتك حلو.. أود لو تغنين لي: زوروني كل سنة مرة
– أنا لا أغني مثل هذه الأغاني” (ص24).
لقد خلع أبو شاور على شخصية زينب بوصفها امرأة فلسطينية، ما يجعلها أنموذجاً للشخصية الجاذبة في عيون المقاتلين الفلسطينيين، ولقد بني مقياس الجذب على إظهار جمالها بوصفها امرأة قبل أي شيء، وعلى التركيز على الصفات المعنوية الداخلية الإيجابية، من حيث الحشمة، والاتزان، والأصالة، بوصفها امرأة عربية، ومن حيث الوعي الثوري والفكري، بوصفها امرأة فلسطينية ذات قضية. حتى إن ما يتعلق بحسن مظهرها الخارجي وملامحها المفعمة بالحيوية والتحفز، جاء متماشياً مع طبيعتها الثورية، وألبس لبوسها.
أما شخصية كاترين، فتجتمع فيها عناصر الشخصية الجاذبة، من حيث إنها كانت محط أنظار معظم الرجال في رواية “وداعاً للسلاح”، بجمال وجهها، ولون بشرتها، وغواية جسدها.
وإذا أنعمنا النظر في عناصر شخصيتها: (جمالها، وبساطتها، وطيبتها، واستعدادها الدائم للعطاء)، نجد أنها ببساطة، جاءت على مقاس أحلام رجل رواية “وداعاً للسلاح” الذي يمثل الرجل اللاهي، الماجن، الشهواني المتطلب المتعب من الحرب؛ فلا غرابة في أن نجد “هنري” قد استمر في ادعائه حب كاترين، حتى حين طلبت منه إيقاف اللعب، ثم انقطع إليها عن كل ما حوله حين أحبها، وهجر الحرب حين وقفت عائقاً في وجه حبه لها.
وبذلك نجد فرقاً جوهريّاً في عناصر الشخصيّة الجاذبة عند كلٍّ من الشخصيتين المدروستين، فخلافاً لما رأيناه فيما يتعلق بشخصية زينب الجاذبة، فإن الوعي السياسي والفكري، وأصالة المنشأ، والالتزام الأخلاقي، والوعي الثوري، عناصر لم تشغل اهتمام الرجل في رواية “وداعاً للسلاح”، بل انحصر اهتمامه بما يطغى عليها من حسن الوجه وغواية الجسد.
()- تمّت رواية اسم الكاتب “أبو شاور” على الحكاية؛ لأنه لقبٌ ثابتٌ على أسرته.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة