والله على ما أقول شهيد.. هذا هو عبد الله بن عبد الرحمن الزيد، كما عرفته (رحمه الله)..بقلم الشاعر : فيصل أكرم

آراء حرة …..
بقلم : فيصل أكرم – شاعر سعودي يقيم في مصر …
*في الموقف: قبل عشرين عاماً، تقريباً، رفض أن يقرأ خبراً ضمن نشرة الأخبار في إذاعة الرياض يتضمن عبارة تتناقض مع موقفه الرافض للاعتراف بـ(دولة إسرائيل) فعوقب من وزارة الإعلام بإيقاف عمله كمذيع وتحويله للعمل في الرقابة على المطبوعات؛ وللمفارقات العجيبة كان هو – رحمه الله – يرفض مبدأ أن يكون على الفكر رقابة غير شروط امتلاك أداوت كتابته.. فكان يجيز كل الكتب المحالة إليه بمجرد تأكده من سلامتها إملائياً ولغوياً ونحوياً ويمتنع عن التدخل في محتواها الفكريّ لأنه يتناقض مع مبدئه الداعم لحريّة التفكير؛ ولحسن حظي أنا ومن كان على شاكلتي من الشعراء الشباب في تلك الفترة التي يعتبرها هو (أداء محكومية عقابية) كان هذا الأداء بمثابة الانفراج لنا من أسر الرقابة.. فسارعت إلى طلب فسح أكثر من ديوان شعريّ كنتُ أستبعد فسحه تماماً ليقيني بتزمّت الرقيب التقليديّ المقيت.. أمّا شاعرنا الكبير فقد كان أكبر حتى من عشمي به حين استقبلني باحتضان الأخ الأكبر الداعم المشجّع المحبّ الواثق مجيزاً قبل أن يقرأ وواعداً بالقراءة للتلقي خارج وقت العمل للرقابة(!) فازداد عشمي فطلبتُ منه إجازة مجلة (كتابات معاصرة) التي يصدرها صديقي الكبير الشاعر إلياس لحود من بيروت فوعد ففعل بعد صراع مع إدارة المطبوعات لأن المجلة كانت ممنوعة رقابياً فعكف رحمه الله على كتابة تقرير من عشر صفحات حصلنا به على إجازة فسح توزيع المجلة في السعودية وكاد صاحبها أن يطير فرحاً وهو يقرأ نسخة من التقرير أكثر من فرحته بالفسح! ففي الموقف.. كان رفضه الاعتراف بدولة إسرائيل عظيماً في حياته وله فائدة عظيمة في حياتي شخصياً والحياة الثقافية الأدبية العربية عموماً.. وها هو الموقف العظيم ذاته يحضرني بشدة توازي شدة الحزن حين علمتُ من وسائل الإعلام بوفاته صباح اليوم الأحد قبل ساعات قليلة من انشغال وسائل الإعلام نفسها بهبوط أول طائرة (إسرائيلية) في دولة (البحرين) التي لا تبعد سوى (رمية حصاة) من (نجد) مكان ولادة ووفاة الشاعر الأديب عبد الله الزيد (رحمه الله) وخفف عنه ألماً أحسبه لا يطيقه وعوّضه خيراً في الآخرة التي ذهب إليها مصحوباً بأطيب الدعاء من كل أصحاب المواقف النظيفة الشرفاء.
*في الكرم: لم يكن عبد الله الزيد يستطيع أن يمضي أسبوعين في بيته دون أن يدعو عدداً من أصدقائه على وليمة طعام (ذبيحة) ليس لمجاملة أصدقائه وحسب، بل لتوزيع ما يتبقى منها (وغالباً ما يكون أكثرها) على المستحقين لما تجود به أيدي الكرماء؛ فيا ربّ تقبّله بكرمك العظيم وتقبّل معه أحسن الدعاء.
*في الوفاء: كنتُ مذ عرفته أتحدى أن يمرض أو يدخل في أزمة من أي نوع أي صديق لعبد الله الزيد دون أن يكون عبد الله الزيد أول الواقفين معه وقفة الأوفياء؛ وحدث ذلك معي شخصياً.. حين تعرّضتُ لأزمة قلبية قبل عشر سنوات في الرياض فكان أوّل من زارني في المستشفى وآخر من غادر بيتي بعد أن حملني على أكفّ الراحة حتى اطمأن عليّ تماماً رحمه الله وجعله في مكان أفضل من أماكننا كلنا مصحوباً بأطيب الدعاء من كل الأصدقاء.
*في الأدب والشعر: لا يختلف عارفان على أن شعرَ عبد الله الزيد شعرٌ حقيقيّ وأدبَه أدبٌ حقيقيّ، فهو من طراز الأدباء الشعراء الشهداء على عصورهم في كلّ ما كتبوا؛ فيا ربّ ارحمه وارفع منزلته عندك مصحوباً بآيات الدعاء من كل المعاصرين له ومن يأتي بعدهم من شعراء وأدباء.
*في الطيبة: هو أطيب من عرفت؛ ولطيبته الشديدة التي تتجاوز المعقول اضطر أن يكذب عليّ (كذبة بيضاء طيبة مثله) حين أبلغني أحد الأصدقاء – قبل سنتين – أن الشاعر عبد الله الزيد منوّم في أحد مستشفيات الرياض، فاتصلت به من منفاي الاختياريّ الأخير في مصر مفجوعاً عليه فما أن ردّ عليّ يسألني عن مكاني وأخبرته حتى راح يبادر هو بالسؤال عن صحتي وينفي تماماً صحة ما بلغني عن مرضه وليؤكد لي أنه بخير زعم أنه يقود سيارته الآن ويخشى أن يأخذ مخالفة التحدث بالجوال أثناء القيادة(!) ووعد فأوفى باتصال منه بعد ساعتين ليؤكد لي اطمئناني عليه… وقد علمتُ الآن بعد رحيله أنه كان منوّماً في المستشفى فعلاً ولكن طيبته منعته أن يتعبني بسفر إليه… فيا ربّ السموات والأرض ارحمه كل الرحمات وطيّب مثواه بكل الطيبات فقد كان فينا مثالاً للطيبة حياً وستظل طيبته حاضرة وهو في عداد الأموات.
*وأخيراً، في الغربة: ربما لم يغترب شاعرنا وأديبنا وفخرنا الكبير عبد الله بن عبد الرحمن الزيد عن وطنه كثيراً غربة الجسد ولكن روحه كانت في غربة دائمة، ومن يقرأ تركته الشعرية الأدبية يلمس ذلك بوضوح يتجسد في كل نصّ؛ فهل كان يتبنى آلام المغتربين أمثالي؟ أم كان مغترباً فعلاً عن المكان الأجدر بوجودنا فيه وقد سبقنا إليه؟ سؤال لن يفارقني ما حييت أترحمّ عليه؛ فيا ربّنا اجمعنا عندك جمعاً أفضل من جمعنا الذي كان. في سلامٍ وأمان.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة