لا أتْقِنُ النِّسيانَ ولا أريد ،- بقلم : د . سمير محمد ايوب

فن وثقافة …..
بقلم : د . سمير أيوب – الاردن …
عشوائيات في الحب
قبلَ أيام ، من شرفةٍ في مغاريبِ جبالِ البلقاء ، المُطِلَّة على فلسطين ، كنتُ وحيدا مع وخزةٍ في الصَّدر، أحلمُ عشوائيا ، وعينايَ ترقُب الشَّمْس وهيَ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا . وأنا أشعلُ أولى لُفافاتي ، وقعَ بصري المُمْتلئ بقرصِ الشمس ، على حاسوبي الشخصي أمامي ، فرأيتُ رسالةً تحتلُّ كاملَ شاشته المضيئة تُخاطبني ، فقرأتُ :
رغم أني أعرفُ كلَّ عيوبِكَ ، حارَبْتُ وجَعي لأجلِكَ ، حتى سكَنَ الكثيرُ مِنَ الليل ، وباتت الرِّيحُ أقلّ رعونة ، ولم أعُدْ على مفترق طُرُق. ولأنّك تعلمُ أنني لا أطيقُ النّسيان ، ولا أُجيدُه ولا أريدُه، سأخبرُكَ سرَّاً .
تُرْهِقُني وِحْدتي وتُشتِّتُني وتُبَعثِرُني . وأنتَ تتسلَّلُ مِنْ مُخيَّلَتي وظِلِّي ، أحسُّ باختناقٍ شديد . أعجزُمعه عن ترتيب صمتي . ويستعصيَ عليَّ الانعتاقُ مِنْ أبجدياتٍ وتفاصيلَ ما ملَّت إنتظارَك، ما زالت مرسومةً في قلبيَ ، على مقاساتِ لَهفتِك وضحكتك ومَواعيد عودتك .
أزِلِ العُصْبةَ عن عيونِ قلبِك يا هاجِر ، وأتركْ جانِبا حُزْنك ، وشُدَّ الرباط على تعرجات جرحك الظالم ، وتعالَ نَعُدْ مِنْ جديد . فلِلْحب يا والدَ وحيدَتِنا رقصةٌ ثانيةٌ بلْ وأكثَرْ ، دفاترُها مليئةٌ بأسطُرٍ لَمْ تُكتَب بعدُ ولَمْ تُقَلْ. لكَ كثيرُ هذا القلب، الذي اتسع مع كلِّ غيمةٍ أو هزيمة وادعةٍ عبرَت بِنا. بكَ العينُ مُمْتلئةٌ ، لَمْ تَنْظُر لغيركَ، وما زلتُ أشمَّ رائِحتَك في قهوتي .
أضْنَيتني بالهجر يا ظالم , لا تدعني أنتظر طويلا . عُدْ قبلَ أنْ تذبلَ أوقاتُنا. قُمْ وتَعالَ ، وقُلْ ليَ أينَ نُنْهي فراقَنا ، لأنْتَظِرَكَ هناك ؟!!!
وأنا أنزفُ وجَعاً ، تَمْتَمَتْ روحيَ قبلَ شفتايَ .
وبعد ساعاتٍ كُنا هناك ، فالتقينا.
وما أنْ سكَنَت أنفاسُنا واستكانت قلوبُنا ، قالت بِشغفٍ مُتعجِّلٍ كعادتِها : لِمَ هُنا، وفي كلِّ مساماتِ هذه الأرضِ ، لنا ذكرىً مُتمرّدة تُهامسنا ؟!
وهي تُحيط بظهري وتحتضن كتفي ، أجيتها بمذاقِ العِتاب: تبقى لبعض الأماكن نكهةً مُشاغبةً ومذاقا يلسعُ بهدوء. هُنا قبلَ ثلاثين عاما إلتقينا أوّل مرّة . تعاهدنا ونقشنا أسماءنا وظلالنا ، على شجرة البلوط هذه .
قالت بدلالٍ مُطْمَئنٍّ ولكنه مستَفِزٌّ : أمَا أضناكَ الحنينُ أيُّها الجبّار الظالم ؟!
قلتُ مُكابِرا : منذُ أنْ راقصتُكِ قبلَ عامٍ، في حفل زفاف وحيدتنا لابن عمها ، قرب سور عكا ، معَ كلِّ صمتٍ يذهبُ وآخرٍ يأتي، كانت وحِدَتي تزدادُ سوءً. تَشابهتِ المَواسم ، جَفَّ لِساني وتَصحَّرَتْ شفتاي.
كلَّما استدرجَني وجعٌ ، أو احتلَّني شوقٌ أو استبدَّ بيَ حنينٌ ، كنتُ أُحْسِنُ الظنَّ بما تبقى بيننا ، فأشمّ عطرَكِ رغمَ استبدادِ الجُغرافيا. ورغمَ خوفِ الذاكرة ترمِشُ عينايَ بسرعةٍ ويَزدَادُ نبضُ قلبي . وبِلا تفكيرٍ أشتري أقربَ المسافاتِ ، وأتسرَّب إلى ما نَقَشنا أوغَرَفنا مِنْ تَفاصيلٍ.
فَنَظرَتْ إليَّ ولَمْ تَقُلْ كثيرا .
مددْتُ يَدَيَّ، أمسكتُ أصابعها النحيلة ، وأنا بشغفٍ أهمسُ : وإن ابتعَدَتْ تضاريسُنا ونأتِ الدّيارُ بِنا ، فنحنُ حُلُمٌ يَخصُّنا وحدَنا، لا نحتاجُ معه وقتما نشاءُ لاستئذانِ أحدٍ ، وأينما نشاء وبالكيفية التي بها نشاء.
إقتربي ، فالمساحة بينَ ذِراعيَّ ما تزالُ لكِ وحدَكِ . إقتربي قبلَ أنْ يَمْتَصُّنا صمتٌ مُتَصحّرٌ لا يقوى على قولٍ ، أو صمتٌ كهلٌ لا يقوى على فِعلٍ ، أو صمتٌ مجنونٌ يقولُ غيرَ ما نُريد ، لا حَكاويَ فيهِ ولا ثَرْثرةً ولا وَميض. إقتَرِبي فربَّما لا تَتَّسِعُ أجراسُ العمرِ لابتعادٍ آخر.
الاردن – 10/10/2020

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة